شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

إرشاد الفحول

الشوكاني • أصول الفقه • ج1 ص297

تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق - كفر بطنا — دار الكتاب العربي

امتثاله بعتق البعض، وأيضا لا يشك عارف بلغة العرب أن بين قول القائل: جاءني رجال، وجاءني كل الرجال، وجميع الرجال، فرقا ظاهرا، وهو دلالة الثاني على الاستغراق دون الأول، وإلا لم يكن بينهما فرق، ومعلوم أن أهل اللغة إذا أرادوا التعبير عن الاستغراق جاءوا بلفظ كل، وجميع، وما يفيد مفادهما، ولو لم يكونا للاستغراق لكان استعمالهم لهما عند إرادتهم للاستغراق عبثا.

قال القاضي عبد الوهاب: ليس بعد كل في كلام العرب كلمة أعم منها، ولا فرق بين أن تقع مبتدأ بها أو تابعة، تقول: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، وجاءني القوم كلهم، فيفيد أن المؤكد به عام وهي تشمل العقلاء، وغيرهم والمذكر والمؤنث، والمفرد والمثنى والمجموع فلذلك كانت أقوى صيغ العموم، وتكون في الجميع بلفظ واحد، تقول كل النساء، وكل القوم، وكل رجل، وكل امرأة.

قال سيبويه: معنى قولهم: كل رجل: كل رجال، فأقاموا رجلا مقام رجال؛ لأن رجلا شائع في الجنس، والرجال الجنس، ولا يؤكد بها المثنى استغناء عنه بكل، ولا يؤكد بها إلا ذو أجزاء، ولا يقال: جاء زيد كله. انتهى.

وقد ذكر علماء النحو والبيان الفرق بين أن يتقدم النفي على كل، وبين أن تتقدم هي عليه، فإذا تقدمت على حرف النفي نحو: كل القوم لم يقم أفادت التنصيص على انتفاء قيام كل فرد فرد، وإن تقدم النفي عليها مثل: لم يقم كل القوم لم تدل إلا على نفي المجموع، وذلك بصدق بانتفاء القيام عن بعضهم، ويسمى الأول عموم السلب والثاني سلب العموم، من جهة أن الأول يحكم فيه بالسلب عن كل فرد، والثاني لم يفد العموم في حق كل أحد إنما أفاد نفي الحكم عن بعضهم.

قال "القرافي"*: وهذا شيء اختصت به كل من بين سائر صيغ العموم، قال: وهذه القاعدة متفق عليها عند أرباب البيان، وأصلها قوله صلى الله عليه وسلم: "كل ذلك لم يكن" لما قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت1. انتهى.

الصفحة السابقة الصفحة التالية