الكامل في اللغة والأدب
المبرد • الأدب • ج1 ص191
تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم — دار الفكر العربي - القاهرة
وقال رجل لرجل من قريش: إني والله ما أمل الحديث، قال: أيمل العتيق.
وقال المهلب بن أبي صفرة: العيش كله في الجليس الممتع.
وقال معاوية: الدنيا بحذافيرها الخفض والدعة.
وقال يزيد بن المهلب: ما يسرني أني كفيت أمر الدنيا كله، قيل له: ولم أيها الأمير؟ قال: أكره عادة العجز.
ويروى عن بعض الصالحين أنه قال: لو أنزل الله كتابا أنه معذب رجلا واحدا لخفت أن أكونه، أو أنه راحم رجلا واحدا لرجوت أن أكونه، أو أنه معذبي لا محالة ما ازددت إلا اجتهادا لئلا أرجع على نفسي بلائمة.
أدب عمر بن عبد العزيز
ويروى أن عمر بن عبد العزيز كان يدخل إليه سالم مولى بني مخزوم وقالوا: بل زياد وكان عمر أراد شراءه وعتقه، فأعتقه مواليه، وكان عمر يسميه: أخي في الله، فكان إذا دخل وعمر في صدر مجلسه تنحى عن الصدر، فيقال له في ذلك فيقول: إذا دخل عليك من لا ترى لك عليه فضلا فلا تأخذ عليه شرف المجلس.
وهم السراج ليلة بأن يخمد، فوثب إليه رجاء بن حيوة ليصلحه، فأقسم عليه عمر فجلس، ثم قام عمر فأصلحه. فقال له رجاء: أتقوم يا أمير المؤمنين قال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "لا ترفعوني فوق قدري فتقول في ما قالت النصارى في المسيح، فإن الله اتخذني عبدا قبل أن يتخذني رسولا".
ودخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز في مرضته التي مات فيها، فقال: ألا توصي يا أمير المؤمنين؟ قال: فيم أوصي؟ فوالله إن لي من مال، فقال: هذه مائة ألف فمر فيها بما أحببت، فقال: أو تقبل؟ قال: نعم، قال. ترد على من أخذت منه ظلما. فبكى مسلمة ثم قال: يرحمك الله لقد ألنت منا قلوبا قاسية، وأبقيت لنا في الصالحين ذكرا.
بر علي بن الحسين بأمه
وقيل لعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمهم الله: إنك من أبر الناس بأمك ولسنا نراك تأكل مع أمك في صحفة، فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها.
لعمر بن ذر في ابنه
وقيل لعمر بن ذر حيث نظر إلى تعزيه عن إبنه كيف كان بره بك؟ فقال: ما مشيت بنهار قط إلا مشى خلفي، ولا بليل إلا مشى أمامي، ولا رقي سطحا وأنا تحته.
لأبي المخش في ولده
وقال أبو المخش: كانت لي إبنة تجلس معي على المائدة، فتبرز كفا كأنها طلعة، في ذراع كأنها جمارة، فلا تقع عينها على أكلة نفيسة إلا خصتني بها، فزوجتها، وصار يجلس معي على المائدة ابن لي فيبرز كفا كأنها كرنافة، في ذراع كأنها كربة، فوالله إن تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلاسبقت يده إليها.
وقال الأصمعي: قيل لأبي المخش: أما كان لك ابن؟ فقال: المخش، وما كان المخش؟ كان والله أشدق خرطمانيا إذا تكلم سال لعابه، كأنما ينظر من قلتين، وكأن ترقوته بوان أو خالفة، وكأن مشاش منكبيه كركرة جمل، فقأ الله عيني هاتين إن كنت رأيت بهما أحسن منه قبله ولا بعده.
قوله: "بوان أو خالفة" فهما عمودان من عمد البيت، البوان في مقدمه والخالفة في مؤخره. والكرنافة: طرف الكربة العريض الذي يتصل بالنخلة كأنه كتف.
