مدارج السالكين — ج 2
ابن قيم الجوزية • التزكية والرقائق • ج2 ص133
تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي — دار الكتاب العربي - بيروت
فالتوكل مع إسقاط هذا الطلب والسؤال هو محض العبودية.
قوله: " وغض العين عن التسبب، اجتهادا في تصحيح التوكل ".
معناه: أنه يعرض عن الاشتغال بالسبب، لتصحيح التوكل بامتحان النفس؛ لأن المتعاطي للسبب قد يظن أنه حصل التوكل. ولم يحصله لثقته بمعلومه، فإذا أعرض عن السبب صح له التوكل.
وهذا الذي أشار إليه مذهب قوم من العباد والسالكين. وكثير منهم كان يدخل البادية بلا زاد. ويرى حمل الزاد قدحا في التوكل. ولهم في ذلك حكايات مشهورة، وهؤلاء في خفارة صدقهم، وإلا فدرجتهم ناقصة عن العارفين. ومع هذا فلا يمكن بشرا البتة ترك الأسباب جملة.
فهذا إبراهيم الخواص كان مجردا في التوكل يدقق فيه. ويدخل البادية بغير زاد. وكان لا تفارقه الإبرة والخيط والركوة والمقراض. فقيل له: لم تحمل هذا وأنت تمنع من كل شيء؟ فقال: مثل هذا لا ينقص من التوكل لأن لله علينا فرائض. والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد، فربما تخرق ثوبه. فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته، فتفسد عليه صلاته. وإذا لم يكن معه ركوة فسدت عليه طهارته. وإذا رأيت الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته.
أفلا تراه لم يستقم له دينه إلا بالأسباب؟ أوليست حركة أقدامه ونقلها في الطريق والاستدلال على أعلامها - إذا خفيت عليه - من الأسباب؟
فالتجرد من الأسباب جملة ممتنع عقلا وشرعا وحسا.
نعم، قد تعرض للصادق أحيانا قوة ثقة بالله. وحال مع الله تحمله على ترك كل سبب مفروض عليه. كما تحمله على إلقاء نفسه في مواضع الهلكة. ويكون ذلك الوقت بالله لا به. فيأتيه مدد من الله على مقتضى حاله. ولكن لا تدوم له هذه الحال. وليست في مقتضى الطبيعة. فإنها كانت هجمة هجمت عليه بلا استدعاء فحمل عليها. فإذا استدعى مثلها وتكلفها لم يجب إلى ذلك. وفي تلك الحال إذا ترك السبب يكون معذورا لقوة الوارد، وعجزه عن الاشتغال بالسبب. فيكون في وارده عون له. ويكون حاملا له. فإذا تعاطى تلك الحال بدون ذلك الوارد وقع في الحال.
#
