مجموع الفتاوى — ج 2
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج2 ص212
تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي — مكتبة ابن تيمية
وأما جحود قدرته فلأنه جعل الرب لا يقدر الا على تجليه في تلك الاعيان الثابتة في العدم الغنية عنه فقدرته محدودة بها مقصورة عليها مع غناها عنه وثبوت حقائقها بدونه وهذا عنده هو السر الذى اعجز الله أن يقدر على غير ما خلق فلا يقدر عنده على أن يزيد في العالم ذرة ولا ينقص منه ذرة ولا يزيد في المطر قطرة ولا ينقص منه قطرة ولا يزيد في طول الانسان ولا ينقص منه ولا يغير شيئا من صفاته ولا حركاته ولا سكناته ولا ينقل حجرا عن مقره ولا يحول ماء عن ممره ولا يهدى ضالا ولا يضل مهتديا ولا يحرك ساكنا ولا يسكن متحركا ففى الجملة لا يقدر إلا على ما وجد لأن ما وجد فعينه ثابتة في العدم ولا يقدر على أكثر من ظهوره في تلك الأعيان
وهذا التجهيل والتعجيز الذى ذكره وزعم انه هو سر القدر وإن كان قد تضمن بعض ما قاله غيره من الضلال ففيه من الكفر ما لا يرضاه غيره من الضالين
فإن القائلين بأن المعدوم شيء يقولون ذلك في كل ممكن كان أو لم يكن ولا يجعلون علمه بالأشياء مستفادا من الأشياء قبل أن يكون وجودها ولا أن خلقه وقدرته مقصورة على ما علمه منها فانه يعلم أنواعا من الممكنات لم يخلقها فمعلومه من الممكنات أوسع مما خلقه ولا يجعلون المانع من أن يخلق غير ما خلق هو كون الاعيان الثابتة في العدم لا تقبل سوى هذا الوجود بل يمكن عندهم وجودها على صفة أخرى هي أيضا من الممكن الثابت في العدم
فلا يفضى قولهم لا إلى تجهيل ولا إلى تعجيز من هذا الوجه وإنما قد يقولون
