مجموع الفتاوى — ج 5
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج5 ص208
تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي — مكتبة ابن تيمية
فتلك الحقائق التى في الآخرة ليست مماثلة لهذه الحقائق التى في الدنيا وان كانت مشابهة لها من بعض الوجوه والاسم يتناولها حقيقة ومعلوم أن الخالق أبعد عن مشابهة المخلوق فكيف يجوز أن يظن ان فيما اثبته الله تعالى من أسمائه وصفاته مماثلا لمخلوقاته وأن يقال ليس ذلك بحقيقة وهل يكون أحق بهذه الاسماء الحسنى والصفات العليا من رب السماوات والأرض مع ان مباينته للمخلوقات أعظم من مباينة كل مخلوق
والجاهل يضل بقول المتكلمين أن العرب وضعوا لفظ الاستواء لاستواء الانسان على المنزل أو الفلك أو استواء السفينة على الجودى ونحو ذلك من استواء بعض المخلوقات فهذا كما يقول القائل انما وضعوا لفظ السمع والبصر والكلام لما يكون محله حدقة واجفانا واصمخة واذنا وشفتين وهذا ضلال في الشرع وكذب وانما وضعوا لفظ الرحمة والعلم والارادة لما يكون محله مضغة لحم وفؤاد وهذا كله جهل منه
فان العرب انما وضعت للانسان ما اضافته إليه فاذا قالت سمع العبد وبصره وكلامه وعلمه وارادته ورحمته فما يخص به يتناول ذلك خصائص العبد واذا قيل سمع الله وبصره وكلامه وعمله وارادته ورحمته كان هذا متناولا لما يخص به الرب لا يدخل في ذلك شيء من خصائص المخلوقين فمن ظن أن هذا الاستواء اذا كان حقيقة يتناول شيئا من صفات المخلوقين مع كون النص قد خصه بالله كان جاهلا جدا بدلالات اللغات ومعرفة الحقيقة والمجاز
