مجموع الفتاوى — ج 8
شيخ الإسلام ابن تيمية • العقيدة والتوحيد • ج8 ص395
تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي — مكتبة ابن تيمية
فنقول الجبر المنفي هو الأول كما فسرناه وأما إثبات القسم الثانى فلا ريب فيه عند أهل الاستنان والآثار وأولي الألباب والأبصار لكن لا يطلق عليه إسم الجبر خشية الإلتباس بالقسم الأول وفرارا من تبادر الأفهام إليه وربما سمي ( جبرا ) إذا أمن من اللبس وعلم القصد قال علي رضي الله عنه في الدعاء المشهور عنه في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم اللهم داحي المدحوات وباري المسموكات جبار القلوب على فطراتها شقاها أو سعدها
فبين أنه سبحانه جبر القلوب على ما فطرها عليه من شقاوة أو سعادة وهذه الفطرة الثانية ليست الفطرة الأولى وبكلا الفطرتين فسر قوله صلى الله عليه وسلم ( كل مولود يولد على الفطرة ( وتفسيره بالأولى واضح قاله محمد بن كعب القرظي وهو من أفاضل تابعي أهل المدينة وأعيانهم وربما فضل على أكثرهم في قوله ( الجبار ) قال جبر العباد على ما أراد وروي ذلك عن غيره وشهادة القرآن والأحاديث ورؤية أهل البصائر والإستدلال التام لتقليب الله سبحانه وتعالى قلوب العباد وتصريفه إياها وإلهامه فجورها وتقواها وتنزيل القضاء النافذ من عند العزيز الحكيم في أدنى من لمح البصر على قلوب العالمين حتى تتحرك الجوارح بما قضى لها وعليها بين غاية البيان إلا لمن أعمى الله بصره وقلبه
فإن قلت أنا أسألك على هذا التقدير بعد خروجي عن تقدير الجبر الذي نفوه وأبطلوه وثباتي على ما قالوه وبينوه كيف إنبنى الثواب والعقاب
