المحلى بالآثار — ج 7
الإمام ابن حزم • الفقه • ج7 ص123
دار الفكر - بيروت
فإن ادعوا إجماعا على الصدقة بها كذبوا، لما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أن زيد بن الأخنس الخزاعي أخبره أنه قال لسعيد بن المسيب: وجدت لقطة أفأتصدق بها؟ قال: لا تؤجر أنت ولا صاحبها؟ قلت: أفأدفعها إلى الأمراء؟ قال: إذا يأكلونها أكلا سريعا، قلت: فكيف تأمرني؟ قال: عرفها سنة فإن اعترفت، وإلا فهي لك. والعجب أن بعضهم احتج لمذهبه الخطأ في هذا بقول الله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: 29] . قال علي: احتجاج هذا الجاهل بهذه الآية في هذا المكان دليل على رقة دينه، إذ جعل ما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باطلا، ولو كان له دين لما عارض حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولو أنه جعل هذه المعارضة لقولهم الملعون: أن الغاصب لدور المسلمين وضياعهم يسكنها ويكريها، فالكراء له حلال، واحتراث ضياعهم له حلال لا يلزمه في ذلك شيء. وقولهم: من اشترى شيئا شراء فاسدا فقد ملكه ملكا فاسدا وأباحوا له التصرف فيما اشترى بالباطل بالوطء، والعتق، وسائر أقوالهم الخبيثة لكانوا قد وافقوا. ثم أعجب شيء أمرهم بالصدقة بها، فإن جاء صاحبها ضمنوا المساكين إن وجدوهم، فعلى أصلهم هو أيضا أكل مال بالباطل. وأي فرق بين أن يأكلها الواجد وضمانها عليه، وبين أن يأكلوها المساكين وضمانها عليهم؟ فإن لم يوجدوا فعليه، ولئن كان أحد الوجهين أكل مال بالباطل فإن الآخر أكل مال بالباطل، ولا فرق، ولئن كان أحدهما أكل مال بحق، فإن الآخر أكل مال بالحق، ولا فرق، إذ الضمان في العاقبة في كلا الوجهين، ولكنهم قوم لا يعقلون. واحتجوا بما ذكرنا قبل: أنه لا يصح من ضالة المسلم حرق النار، ولا يأوي الضالة إلا ضال، ولو صحا لكانا عليهم أعظم حجة؛ لأنهم يبيحون أخذ ضوال الإبل التي فيها ورد النص المذكور، فاعجبوا لهذه العقول وأعجب شيء احتجاجهم ههنا برواية خبيثة رواها أبو يوسف عن عبد الملك بن العرزمي
#