مقدمة ابن الصلاح (معرفة أنواع علوم الحديث)
ابن الصلاح • علوم الحديث • ج1 ص72
تحقيق: د عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) أستاذ الدراسات العليا، كلية الشريعة بفاس، جامعة القرووين. — دار المعارف.
فاعترفوا بفضله " ونقل التقي ابن فهد عن شيخه الحافظ البرهان الحلبي سبط ابن العجمي، قال: " بهر من هناك بالشام من الشيوخ المصريين والشاميين، بجودة إيراده وإصداره وتحريره وبلاغته، وأقروا له بالتقدم والإمامة، ودمشق وقتئذ غاصة بالأئمة الفضلاء ".
وولي قضءا العسكر سنة 773 ه، ثم تركه لولده " بدرالدين محمد " عندما عين لقضاء القضاة 779 ه، لكن الأمر لم يتم، وقد سما الشيخ على كل منصب، وولي قضاء القضاة في حياته ابنه " الجلال عبدالرحمن " وتفرغ هو لتكاليف الإمامة والفتيا والتدريس. قال ابن حجر: " ولم تر العين مثله ولا رأى مثل نفسه. واشتهر اسمه في الآفاق وبعد صيته إلى أن صار يضرب به المثل في العلم، ولا تركن النفس إلا إلى فتواه، وكان موفقا في الفتوى يجلس من بعد صلاة العصر إلى المغرب يكتب على الفتاوى من رأس القلم غالبا. ولا يأنف إذا أشكل عليه شيء من مراجعة الكتب ولا من تأخير الفتوى عنده إلى أن يحقق أمرها. وكان فيه من قوة الحافظة وشدة الذكاء ما لم يشاهد مثله، وشرح ذلك يطول " وقال ابن فهد: إنه وصف بالتفرد قديما. ونقل من (الطبقات لمحمد بن عبدالرحمن العثماني قاضي صفد) قوله في ترجمته: " هو شيخ الوقت وإمامه وحجته. انتهت إليه مشيخه الفقه في وقته. وعلمه كالبحر الزاخر، ولسانه أفحم الأوائل والأواخر " (1).
قلت: القاضي العثماني، صاحب الطبقات الشافعية، توفي سنة 770 ه، قبل خمس وثلاثين سنة من وفاة الإمام البلقيني شيخ الإسلام.
وقال ابن فهد: " قال شيخنا الحافظ برهان الدين الحلبي: اجتمعت به في رحلتي الأولى إلى القاهرة سنة ثمانين، فرأيته إماما لا يجارى، أكثر الناس استحضارا لكل ما يلقى من علوم. كان فيه من قوة الحافظة وشدة الذكاء ما لم يشاهد مثله. وقد حضرت عنده عدة دروس مع جماعة من أرباب المذاهب الأربعة، فيتكلم على الحديث الواحد بعد طلوع الشمس فربما أذن للظهر في الغالب وهو لم يفرغ من الكلام عليه، ويفيد فوائد جليلة لأرباب كل مذهب، خصوصا المالكية ... وممن كان يحضر عنده الإمام نورالدين ابن