الموافقات — ج 1
الشاطبي • أصول الفقه • ج1 ص320
تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان
الالتفات أجرى على مقصود الشارع فيها، والأمران بالنسبة إلى المقلد سواء في أن حقه أن لا يلتفت إلى المسببات؛ إلا فيما كان من مدركاته ومعلوماته العادية في التصرفات الشرعية.
فالجواب: أن الأمرين في الالتفات وعدمه سواء، وذلك أن المجتهد إذا نظر في علة الحكم عدى الحكم بها إلى محل هي فيه لتقع المصلحة المشروع لها الحكم، هذا نظره خاصة1، ويبقى قصده إلى حصولها بالعمل أو عدم القصد مسكوتا عنه بالنسبة إليه؛ فتارة يقصد إذا كان هو العامل، وتارة لا يقصد، وفي الوجهين لا يفوته في اجتهاده أمر؛ كالمقلد سواء، فإذا سمع قوله, عليه الصلاة والسلام: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" 2؛ نظر إلى علة منع القضاء؛ فرآه الغضب، وحكمته تشويش الذهن عن استيفاء الحجاج بين الخصوم؛ فألحق بالغضب الجوع والشبع المفرطين، والوجع، وغير ذلك مما فيه تشويش الذهن، فإذا وجد في نفسه شيئا من ذلك -وكان قاضيا- امتنع من القضاء بمقتضى النهي، فإن قصد بالانتهاء مجرد النهي فقط, من غير التفات إلى الحكمة التي لأجلها نهي عن القضاء؛ حصل مقصود الشارع, وإن لم يقصده القاضي، وإن قصد به ما ظهر قصد الشرع إليه من مفسدة عدم استيفاء الحجاج؛ حصل مقصود الشارع أيضا؛ فاستوى قصد القاضي إلى المسبب وعدم قصده، وهكذا المقلد فيما فهم حكمته من الأعمال وما لم يفهم؛ فهو
