الموافقات — ج 3
الشاطبي • أصول الفقه • ج3 ص90
تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان
وقد تعين ذلك في زمان السلف الصالح؛ إذ جعل الشرع في الأموال ما يكون مرصدا لمصالح المسلمين، لا يكون فيه حق لجهة معينة إلا لمطلق المصالح كيف اتفقت، وهو "مال بيت المال"؛ فيتعين لإقامة مصلحة هذا المكلف ذلك الوجه بعينه، ويلحق به ما كان من الأوقاف مخصوصا بمثل هذه الوجوه؛ فيحصل القيام بالمصالح من الجانبين، ولا يكون فيه ضرر على واحد من أهل الطرفين؛ إذ لو فرض على غير ذلك الوجه؛ لكان فيه ضرر على القائم، وضرر على المقوم لهم.
أما مضرة القائم؛ فمن جهة لحاق المنة من القائمين إذا تعينوا في القيام بأعيان المصالح، والمنن يأباها أرباب العقول الآخذون بمحاسن العادات، وقد اعتبر الشارع هذا المعنى في مواضع كثيرة، ولذلك شرطوا في صحة الهبة وانعقادها القبول1، وقالت جماعة: إذا وهب الماء لعادم الماء للطهارة؛ لم يلزمه قبوله، وجاز له التيمم إلى غير ذلك، وأصله قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] ؛ فجعل المن من جملة ما يبطل أجر الصدقة، وما ذاك2 إلا لما في المن من إيذاء المتصدق عليه، وهذا المعنى موجود على الجملة في كل ما فرض من هذا الباب، هذا وجه، ووجه ثان ما يلحقه من الظنون المتطرقة، والتهمة اللاحقة3 عند القبول من المعين، ولذلك لم يجز باتفاق للقاضي ولا لسائر الحكام أن يأخذوا من
