الموافقات — ج 4
الشاطبي • أصول الفقه • ج4 ص432
تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان — دار ابن عفان
كانت تعريضا اعتبارا بما ذكر.
والبرهان على صحة هذا التقرير ما تقدم1 في دليل الكتاب أن كل قضية لم ترد أو لم تبطل أو لم ينبه على ما فيها؛ فهي صحيحة صادقة، فإذا عرضنا مسألتنا على تلك القاعدة وجدنا الله تعالى حكى عن نوح دعاءه على قومه؛ فقال: {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا} [نوح: 26] .
ولم يذكر قبله ولا بعده ما يدل على عتب ولا لوم، ولا خروج عن مقتضى الأمر والنهي، بل حكى أنه قال: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك} الآية [نوح: 27] .
ومعلوم أنه -عليه السلام- لم يقل ذلك إلا بوحي من الله؛ لأنه غيب، وهو معنى قوله تعالى: {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} [هود: 36] .
وكذلك قال تعالى في إبراهيم: {فنظر نظرة في النجوم، فقال إني سقيم} [الصافات: 88، 89] .
ولم يذكر قبل ذلك ولا بعده ما يشير إلى لوم ولا عتب، ولا مخالفة أمر ولا نهي، ومثله قوله تعالى: {قال بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63] ؛ فلم يقع في هذا المساق ذكر لمخالفة ولا إشارة إلى عتب، بل جاء في الآية الأولى: {إذ جاء ربه بقلب سليم} [الصافات: 84] ، وهو غاية في المدح بالموافقة، وهكذا سائر المساق إلى آخر القصة.
وفي الآية الأخرى قال: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين ... } [الأنبياء: 51] إلى آخرها؛ فتضمنت الآيات مدحه ومناضلته عن
