تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 178
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
مجيء الإخوة
تاجراً يبيع للناس أموالهم، فنحن نَشُمُّ رائحة شح اليهود في هذا الأثر الإسرائيلي، وهل يليق هذا بأكرم الناس؟ ثم كيف يبيعهم بأنفسهم وأولادهم، والأصل أن بيع الحر لا يجوز؟ فالله أعلم.
قال ابن كثير - رحمه الله -: (والغرض أنه كان، في جملة من ورد للميرة، إخوة يوسف عليه السلام عن أمر أبيهم لهم في ذلك، فإنه بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعامًا، وركبوا عشرة نفر، واحتبس يعقوب عليه السلام عنده ابنه بنيامين، شقيق يوسف عليه السلام، وكان أحب ولده إليه بعد يوسف عليه السلام، فلما دخلوا على يوسف عليه السلام، وهو جالس في أبهته ورياسته وسيادته، عرفهم حين نظر إليهم وهم له منكرون، أي: لا يعرفونه، لأنهم فارقوه وهو صغير حدث، وباعوه للسيارة، ولم يدروا أين يذهبون به، ولا كانوا يستشعرون في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه، فلهذا لم يعرفوه، وأما هو فعرفهم) أ. هـ.
أقف مبهورًا أمام هذه الشخصية الرائعة، وأجد حبًا ضروريًا ليوسف عليه السلام في حلمه وصبره، وعفوه وحسن خلقه، لو كان غيره من أهل الدنيا وهو في ملكه وسلطانه، ووجد أمامه من فرقوا بينه وبين أبيه صغيرًا، وألقوه في الجب مظلومًا، وباعوه للسيارة رقيقًا، لو أمر بهم أن يُقتلوا كما هموا أن يقتلوه، لقتلوا في ساعتهم، ولو أمر بهم أن يُسجنوا كما سجنوه في البئر، لسجنوا في لحظتهم، ولو أمر بهم أن يُضربوا كما ضربوه لضربوا من فورهم، ولو أمر بهم أن يباعوا كما باعوه، لبِيعُوا في موقفهم، لم يصنع يوسف عليه السلام شيئًا من ذلك، وهم - بَعْدُ - لم يتوبوا، وهم مستحقون للعقاب، بل صَبَرَ وَحَلُمَ، وأحسنَ وأكرمَ، وأوفى لهم الكيل، وأمر بإنزالهم وإكرامهم خير إنزال، وهذا هو اللائق بكرمه وحلمه وسعة صدره، وانشراحه بالإيمان، والحب والغنى بالله جل جلاله، وسلامة القلب من الغل والحقد وحب الانتصار للنفس والمخاصمة لها، إن القدرة على مقابلة الإساءة بالإحسان، بل مجرد إمساك النفس عن الانتقام، هي مِنَّةٌ عظيمة وعطية كبيرة من الله لعبده، وحظ عظيم له، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي ﴾