شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 183

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

حديث يوسف عليه السلام مع إخوته

وقوله تعالى عن يوسف عليه السلام: ﴿ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ﴾ فيه فضيلة إيفاء الكيل، وقد دلت السنة على استحباب الزيادة، كما في حديث جابر أن النبي ﷺ قال للوازن الذي يوفيه حقه: « زِنْ وَأَرْجِحْ » (١)، وهذا كرم الأنبياء - عليهم السلام -، وهو من أسباب تعلق قلوب العباد بهم، فعلى الدعاة أن يقتدوا بهم في ذلك، فإنه من أعظم أسباب استجابة الناس للحق، كما قال الأعرابي الذي أعطاه النبي ﷺ غنماً بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: ( يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة ) (٢)، فإنزال الناس المنازل الحسنة، وحسن استقبالهم، وإعطاؤهم ما يحتاجون هو من مكارم الأخلاق الفاضلة، التي هي من أعظم أسباب نجاح الدعوة وقبولها، وإذا كان ذلك قد وقع من يوسف عليه السلام مع من أساء إليه أعظم الإساءة، فكيف بمن كانت معاملته بالإحسان دون الإساءة؟!

وذكر يوسف عليه السلام لنفسه بصفات المدح التي هي حق في نفس الأمر، إنما كان للحاجة في ترغيبهم في العودة إليه بأخيه، ليتم ما أراد الله وكاد له يوسف عليه السلام، وقد جمع يوسف عليه السلام بين الترغيب والترهيب، فقال: ﴿ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلَا تَقْرَبُونِ ﴾، وهو يعلم أنهم لا يستغنون عن عطائه ورفده، إذ ليس في البلاد كلها ما فيه ميرة وطعام إلا مصر بحمد الله وفضله.

وفي رد يوسف عليه السلام على إخوته بضاعتهم على اختلاف العلماء في سبب ذلك من: كونه خشي أن لا يجدوا بضاعة يعودون بها، أو تذمم أن يأخذ من أبيه وإخوته عوضاً عن الطعام، دليل على الشفقة والرحمة التي جُبل عليها يوسف عليه السلام، وأظهر الاحتمالات من الثلاثة التي ذكرها العلماء هو الأول، إذ إنه صرح بأن السبب الدافع له على ذلك أنهم إذا عرفوها إذا رجعوا إلى أهلهم كان ذلك سبباً في رجوعهم مرة ثانية: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾، نعني أنه خشي أن لا يجدوا

______

(١) صحيح: رواه أبو داود (٣٣٣٦)، والترمذي (١٣٠٥)، وصححه الألباني.

(٢) رواه مسلم (٢٣١٢)، وابن خزيمة (٢٣٧١)، وأحمد (١٢٠٧٠).

الصفحة السابقة الصفحة التالية