تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 185
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
نكأوا الجرح
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
يتعجب الإنسان من طريقة إخوة يوسف عليه السلام في مواجهة أبيهم يعقوب عليه السلام، كأنهم يريدون دائمًا أن يغموه، فهم في الحقيقة قد عادوا بكيل وافٍ وأنزلوا نُزُلًا كريمًا، وإذا بأول ما يواجهون به يستقبلون به أباهم: ﴿يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ يعنون: سيمنع في المرة القادمة إن لم ترسل معنا أخانا بنيامين، وعبروا بالفعل الماضي للخبر عن المستقبل لتيقنهم بحصوله كأنه قد كان فعلًا، وذلك ليتوصلوا إلى ما يريدون من سماح أبيهم لهم بإرسال بنيامين، ولا يراعون دائمًا مشاعر أبيهم، ولا يحسنون التوصل إلى مقصودهم، فهم بدؤوا بذكر ما يسوء قبل ما يسر، مع أن ذكر ما يسر هو الذي يشرح الصدر ويحسن الظن، ولذا نجد أن يعقوب عليه السلام ما قبل إرسال بنيامين إلا بعد أن علم ما يسر من رد البضاعة كما سيأتي - إن شاء الله تعالى -، بل وكان رده على طلبهم في البداية هو التخوين وعدم الاستئمان، هذا كله مما ينبئك عن شخصيات إخوة يوسف عليه السلام من سوء تقدير الأمور وترتيبها، وعدم مراعاة أحاسيس الآخرين خاصة أباهم، ووجود فكرة مسيطرة على نفوسهم يندفعون لتحقيقها بسرعة وبإلحاح ودون تقديم مقدماتها، فحُقَّ والله ليعقوب عليه السلام أن يفضل عليهم يوسف عليه السلام وأخاه، ومن سوء تقديرهم أنهم استعملوا نفس العبارة بنفس الألفاظ التي استعملوها يوم أخذوا يوسف من أبيه وضيعوا الأمانة وخانوا العهد وكذبوا فيما وعدوا به أباهم: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، نفس التأكيد بنفس الأسلوب، فكأنهم نكؤوا الجرح الذي لم يندمل في قلب يعقوب على