تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 186
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
نكأوا الجرح
ابنه الحبيب يوسف عليه السلام، فتذكر يعقوب عليه السلام فورًا ما صنعوه بأخيهم، فقال: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾، كم من الألم في قلب يعقوب عليه السلام من صنيعهم بأخيهم، حتى لم يصفُ لهم قلبه إلى اللحظة، ولم ينسَ جريمتهم، ولم يخلُ لهم وجه أبيهم كما سوَّل لهم الشيطان حين فعلوا فعلتهم، وهكذا الشيطان دائمًا يخدع الإنسان فيقوده إلى شقائه بالوعد الكاذب، ثم يتركه وحده يعاني من ذلك الشقاء، مثل ما فعل بالأبوين فرَّاه الوعد بشجرة الخلد وملك لا يبلى أدراج الرياح، وبقي شقاء انكشاف السوءات وهتك الستر بينهما وبين ربهما، وألم البعد والمعصية وضرر الغواية لولا اجتباء الله عز وجل وتوبته وهدايته، وهنا ذهب الوعد الكاذب بخلو وجه أبيهم ومحبته لهم، وبقي التخوين وعدم الاستئمان والتكذيب حتى لو صدقوا في حقيقة الأمر، وبقي الأسف على يوسف عليه السلام وتضاعف حبه في القلب أضعافًا مضاعفة، وتناقص قدر إخوته من قلب أبيهم وزاد تباعدهم عنه، وزاد تقريبه لبنيامين لأنه أشبه بيوسف ﷺ منهم، فإذا كان ريح يوسف عليه السلام يُريح يعقوب عليه السلام، فأخوه قطعًا أشد إراحة له من ريح يوسف عليه السلام، عوقب إخوة يوسف عليه السلام بنقيض قصدهم، وهكذا كل من سلك إلى مقاصده طريق المعصية والمخالفة لأمر الله، لا يحصل له مقصوده بل عكسه فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته - سبحانه وتعالى -.
ومع وجود الأسف والألم والحزن على ما فات، يحتاج المؤمن إلى علاج لهذا الألم وتدارك لهذا الحزن حتى لا يشقى به، لابد من برد يطفئ به حر الأسف، ولا أحسن ولا أجل ولا أوسع ولا أفضل من التعلق بأسماء الله وصفاته، فبه يحصل برد اليقين وحسن الظن وصدق التوكل والتفويض وانتظار الرحمة من أرحم الراحمين، الذي هو أرحم بعبده من أمه وأبيه ونفسه التي بين جنبيه قال يعقوب عليه السلام: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ وقرئ: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾، فحفظ الله ليوسف عليه السلام خير من حفظ يعقوب عليه السلام له، نعم والله، فحفظ الله له - بعيدًا عن أبيه - كان أكمل وأعظم من حفظه له وهو يرعاه بنظره ويربيه بحنانه، وتصوَّر لو بقي يوسف عليه السلام مع إخوته