تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 187
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
نكأوا الجرح
مع هذا الكم الهائل من الحقد والحسد والكراهية، كم من المكائد كان سيُدبَّر له؟ إن أفلت من واحدة لم يفلت من الأخرى، إن بقاء الإنسان مع قوم يكرهونه ولو بغير حق هو من أعظم أسباب تشوش نفسه وتغير قلبه، إن حاجة الإنسان إلى سلامة الصدر لمن حوله وممن حوله في طمأنينة قلبه واستقرار فؤاده حاجة عظيمة، نجد هذا الأمر عظيمًا في الشرع، إذ يؤكّد بكل أنواع الأدلة على أهمية الحب في الله وسلامة الصدر، يكفيك قول النبي ﷺ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ»(١)، بل إن القرآن دل المؤمن على ما هو أعظم من ذلك، دلّه على حب الملائكة له واهتمامهم به واستغفارهم له ودعائهم وصلاتهم من أجله، بل دلّه على أن الكون حوله يحبه ويفرح به بموافقته له في تسبيح الله سبحانه، وأنه بينه وبين السماء والأرض علاقة وحنين بسبب العبادة، تبكي عليه السماء والأرض عند موته حزنًا على فراقها لعبادته، في حين لا تبكي على الكافر بل تستريح منه، قال تعالى عن آل فرعون: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ﴾ [الدخان: ٢٩]، وقال النبي ﷺ: «وَأَمَّا الْفَاجِرُ فَيَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ»(٢)، وقال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ»(٣)، كل هذا ليستريح المؤمن ويسعد ولا يشقى، لأن الإنسان لا تكمل شخصيته ولا يستقيم حاله بغير الحب، فلو كان يوسف قد بقي عند يعقوب - عليهما السلام -، هل يكون حاله كما كان في قصر العزيز وسط مشاعر الأبوة والحنان، والتي إن لم تصل إلى أبوة يعقوب وحنانه إلا أنها بلا منازعة ولا مخالفة من عشرة رجال يخالطونه ليل نهار؟ ثم لما وقع من امرأة العزيز ما وقع، ودبت الرغبة في الانتقام إلى قلبها لأنها في حقيقة الأمر تحب نفسها وشهوتها لا تحب يوسف عليه السلام، إنها تريد حظها منه لا تريده هو، فاختار الله عز وجل له.
______
(١) رواه مسلم (٥٤)، والترمذي (٢٥١٠)، وأبو داود (٥١٩٣)، وابن ماجة (٦٨).
(٢) سبق تخريجه ص (٤٠).
(٣) صحيح: رواه الترمذي (٢٦٨٥)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٢٩٧).