شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 188

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

نكأوا الجرح

السجن ليبتعد عن هذا الجو الكئيب، وكان في السجن مع من يراه بعين الإحسان والصديقية: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ۝﴾، ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ۝﴾، حاجة الإنسان إلى هذا، أشد من حاجته إلى مسكن فسيح وفراش مريح وطعام لين.

إن الرق كان في حقيقة الأمر حفظًا ليوسف عليه السلام، وإن السجن كان - في باطنه - حفظًا ليوسف عليه السلام من عند خير الحافظين وأرحم الراحمين - سبحانه وبحمده -، ما أعظم التفويض! وما أجل التوكل! وما أجل تعلق القلب بالله - سبحانه - فهو ﴿خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ۝﴾ يحفظ عبده المؤمن من حيث يظن الناس الضياع، ويرحمه برحمة من عنده لا تشبهها رحمة من حيث يظن الناس العذاب، اللهم لك الحمد كما تقول وخيرًا مما نقول، لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، فاللهم احفظنا في ديننا وأنفسنا وأهلينا وذرياتنا، احفظ المسلمين والمسلمات، فأنت خير حافظًا وأنت أرحم الراحمين.

إن شهود هذه المعاني يجعل العبد يتعلق برحمة الله تعلقًا خاصًا، يشهد به فضله، ويطمع في المزيد من رحمته ويتوكل عليه وحده، ويحفظه في نفسه وأهله، وأولاده ودنياه وأخراه، ويدبر أمره بما لا يحسن هو من التدبير، وكأن هذه مقارنة بين حال إخوة يوسف عليه السلام وبين حال أبيهم يعقوب عليه السلام وهم يقولون: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ۝﴾ فينسبون الحفظ لأنفسهم وهم المضيعون العاجزون، بل ويؤكدون قيامهم بالحفظ بأدوات التوكيد (إن)، (لام التوكيد)، وما انتبهوا أن يسألوا الله التوفيق في هذا، أو أن يتوكلوا عليه في أمر لا يملكونه ولا يقدرون عليه، فهكذا حال الإنسان الجاهل القليل الذكر، كلامهم من أول القصة خالٍ من الذكر والتوجه إلى الله عز وجل واستحضار أسماء الله وصفاته إلا حين بدأوا يندمون وقال قائل منهم: ﴿وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ۝﴾ فكان هذا أول تعلق لهم بأسماء الله وصفاته رزقهم الله به لما شرعوا في التوبة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية