تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 191
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
مسؤولية خاصة وميثاق من الله
يعلم شدة الحال والحاجة في أعوام الجدب، ثم ذكروا المفتاح الثالث: ﴿ وَنَحْفَظُ أَخَانَا ﴾ تأكيد ما ذكره قبل ذلك من حفظ: ﴿ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾، ثم ذكروا الأمر الرابع وهو: ﴿ وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ فإن التيسير على الخلق من صفات الأنبياء، ولقد كان رسول الله ﷺ: « لا يُخَيَّرُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ » (١)، وقال لمعاذ وأبي موسى - رضي الله عنهما -: « يَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا » (٢)، وقال لأصحابه: « إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ » (٣).
فالأنبياء - وتبع لهم الصالحون - يحبون التيسير والسعة والزيادة في الخير على الخلق، فازدياد كيل بعير مما تتم به التوسعة على الأهل في أعوام الجدب والقحط، وأحسن الأقوال في قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴾ ما ذكره الجلال السيوطي: ( أي: يسير عليهم )، أي: على عزيز مصر، أي: لاتساع الأمر عندهم وكثرة الخير لديهم، وأما ما ذكره ابن كثير - رحمه الله - في ذلك من أن المعنى: يسير في مقابلة أخذ أخيهم ما يعدل هذا، فلا يظهر لي وجهه، إذ لا يكون في الكلام ترغيب لإرسال أخيهم معهم، بل يكون المعنى تهوين شأن هذا الكيل وليس بمناسب للسياق، كيف وفي أعوام القحط يكون حمل البعير شيئاً عظيماً؟! يدل عليه قوله تعالى عن فتيان يوسف عليه السلام: ﴿ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ ﴾، فإذا كان صواع الملك الغالي الثمن مكافأة من يحضره حمل بعير، دل ذلك على أن حمل البعير وكيل البعير شيء كبير، وأيضاً ما ذكره عن مجاهد أن المقصود حمل حمار ليس بظاهر، إذ لا دليل على ذلك ولا قرينة، فالظاهر البعير المعروف.
ولما وجد يعقوب عليه السلام مظاهر إحسان عزيز مصر إلى أبنائه، آنس الأمان وحصل له رجاء الخير من إرسال بنيامين معهم، فقرر إرساله معهم ولكنه احتاط في حفظه،
______
(١) رواه البخاري ( ٣٥٦٠ )، ومسلم ( ٢٣٢٧ )، وأبو داود ( ٤٧٨٥ ).
(٢) رواه البخاري ( ٣٥٦٠ )، ومسلم ( ٢٣٢٧ )، وأبو داود ( ٤٧٨٥ ).
(٣) رواه البخاري ( ٣٠٣٨ )، ومسلم ( ١٧٣٣ )، وأحمد ( ١٩٢٤٣ ).