تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 198
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
والحكم الكوني هو ما يأمر الله عز وجل بتكوينه فيكون ﴿ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﴾ [ يس: ٨٢ ]، وهو الذي لا يقع في الوجود غيره، شاء الناس أم أبوا، أحبوا أم كرهوا، وهذا النوع من الحكم هو الذي يليق بهذا السياق، لأن يعقوب عليه السلام أراد منع ضرر ما عن بنيه فيما نصحهم من التفرق في الأبواب، وهذا الضرر سواء أكان إصابتهم بالعين أم غير ذلك ليس أمراً مشروعاً، بل هو أمر قدري كوني، فالمناسب في هذا السياق أن يكون هو المقصود، والله أعلم.
وقوله ال: ﴿ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﴾؛ ذكر توكله، وأمرهم بالتوكل وأمر غيرهم من الخلق؛ لتكون كلمته تلك منقولة إلى الخلق والناس من بعده، فيأخذ ثواب من عمل بنصيحته، وقد نقل الله كلمته للناس في القرآن العظيم الخالد، وبقيت هذه الكلمة دالة على أن جميع الأنبياء يتوكلون على الله وحده، ويأمرون غيرهم بالتوكل في الأمور الدينية والدنيوية، فالتوكل من أعظم الطاعات، بل هو من أركان الإيمان لو زال من القلب بالكلية لزال الإيمان بالكلية، ولو نقص لنقص الإيمان وبكماله يكمل الإيمان، وتأمل تقديم الجار والمجرور على الفعل والفاعل ﴿ ﯶ ﯷ ﯸ ﴾ وهذا للاختصاص، أي: أتوكل على الله وحده وليتوكل المتوكلون على الله وحده دون من سواه، وهو أيضاً للاهتمام بتعظيم شأن إفراد الله بالتوكل، والتوكل علم وعمل؛ فهو أن يعلم العبد أن الله وحده هو النافع الضار المعطي المانع الذي يدبر الأمر، أما العمل فهو أن يثق بربه غاية الوثوق ويحسن الظن به ويفوض الأمر إليه ويعتمد بقلبه عليه في جلب مصالح دينه ودنياه وآخرته؛ وأعظم التوكل: التوكل على الله في تحقيق عبوديته في نفسه وفي غيره من الخلق وفي نصرة دينه، وهذا توكل الأنبياء وخاصة الأولياء، ونهاية هذا التوكل، التوكل على الله في دخول الجنة؛ كما قال النبي ﷺ: « وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ الْجَنَّةَ عَمَلُهُ »، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْتَ؟ قَالَ: « وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ » (١)، ويدخل في ضمن هذا التوكل في تحقيق العبودية له،
______
(١) رواه البخاري ( ٦٤٦٧ )، ومسلم ( ٢٨١٦ )، وابن ماجة ( ٤٢٠١ )، وأحمد ( ٦١٦٢ ).
⁗