شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 207

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

نجاح الحيلة

وقوله: ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ﴾ أي: لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر، قاله الضحاك وغيره، وإنما قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزموه، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم، ولهذا مدحه الله - تعالى - فقال: ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ﴾ كما قال تعالى: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: ١١].

وقوله تعالى: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله ﷻ، وكذا روى عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الأعلى الثعلبي عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس ﴿رضي الله عنهما﴾ فحدث بحديث عجيب، فتعجب رجل، فقال: الحمد لله ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾، فقال ابن عباس ﴿رضي الله عنهما﴾: بئس ما قلت، الله العليم فوق كل عالم، وكذا روى سماك عن عكرمة عن ابن عباس ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾، قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم، وهكذا قال عكرمة وقال قتادة: وفوق كل ذي علم عليم حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بدأ، وتعلمت العلماء، وإليه يعود، وفي قراءة عبد الله: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ أ. هـ. من تفسير ابن كثير - رحمه الله -.

قيض الله ليوسف ﴿عليه السلام﴾ من كلام إخوته ما تلزمهم به الحجة، من غير أن يضطر يوسف ﴿عليه السلام﴾ للكذب، فأقسم إخوته أنهم قد علموا أنهم ما جاؤوا ليفسدوا في الأرض، وما كانوا سارقين، ولم يقولوا لم نسرق صواع الملك لأنهم لو قالوا ذلك لما كانوا كاذبين، وأما قولهم: ﴿ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ﴾ فكذب، لأنه نفي عام لوصفهم بذلك ولو في الماضي، وقد سرقوا يوسف ﴿عليه السلام﴾، سرقوه من أبيه كما تقدم، ولذا ساغ له أن يقول لهم: ﴿ فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ ﴾، ثم قيض الله لهم أن يقولوا: ﴿ جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ﴾، ولم يقولوا جزاء من سرقه أو أخذه، وقد وُجد الصواع في رحل بنيامين، كما أنهم التزموا العقوبة التي يجزون بها الظالم لنفسه بالسرقة عندهم، وليست هي العقوبة في حكم الملك، وهو في قوله: ﴿ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ﴾ يعود على الذي وجد عنده المتاع، أي: الشخص يكون رقيقاً وعبداً جزاء سرقته.

الصفحة السابقة الصفحة التالية