تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 213
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
ما زال الحقد باقياً
الغرض المقصود أننا لسنا بحاجة إلى هذه القصص، فإن هذه التهمة التي اتهمها إخوة يوسف عليه السلام تهمة باطلة على أية حال، وغير مستغرب منهم تلفيق تهمة باطلة، سواء أكانت مبنية على واقعة معينة حرفوها وأولوها على غير وجهها، أم كانت مختلقة من أصلها، وليس مثل هذا بمستبعد عمن ملأ الحسد قلبه، فإنه إن لم يجد ما يتنقص به محسوده اختلق واخترع ما يتنقصه به، فهم يريدون عيب يوسف عليه السلام بما ليس فيه وبما لا يليق به حتى في طفولته، فإن سجايا الأنبياء وصفاتهم الجبلية التي فطرهم الله عليها هي أكمل السجايا والصفات، والسرقة نوع من الخيانة تنفر النفوس منها، حتى لو وقعت من إنسان حال طفولته وعُرفت عنه، ولذا كانت مقالة إخوة يوسف عليه السلام عيباً وطعناً فيه يستشفي الحسود بها غلَّه وحقده، حتى ولو كانت الواقعة المدعاة حال الطفولة، فتكون مسبة له مر الدهر، فينزه عنها الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -.
وتأمل كيف كانت محاولتهم التنقيص من يوسف عليه السلام سبباً لنقصهم هم، فهم يواجهون يوسف عليه السلام بالطعن فيه جاهلين أن العزيز هو يوسف عليه السلام، فأسر يوسف عليه السلام في نفسه قوله عنهم: ﴿ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴾، فكل من رام تنقيص غيره بالباطل واتهامه بما ليس فيه.. رغبةً في وجاهة عند ذي سلطان أو عند أحد من الخلق، فإن عاقبة مكره السيء تعود عليه، فيحصل له النقص عند ذي السلطان وعند الناس جميعاً، ووالله إن هذه الكلمة التي قالوها عن يوسف عليه السلام وأخيه لتجعل قلوب المؤمنين في كل زمان ومكان تشعر بنقيصتهم وسوء مقالتهم وفساد قلوبهم تجاه أخويهما اللذين هما أفضل منهم بلا شك، وهكذا كل مغتاب نمام، فإنه بغيبته ونميمته لمن يكرهه إنما يرفع قدره ويضع من قدر نفسه، ويُبَغِّضُها للناس ثمرةً ونتيجة لعمله الذي يبغضه الله عز وجل، بل كل سالك لغرض من أغراضه سبيلاً خلاف سبيل الحق، فإنه يحصل له في عاقبة الأمر عكس ما قصد، فهم حين أرادوا أن يخلوا لهم وجه أبيهم بإبعاد يوسف عليه السلام عنه، ما ازدادوا من أبيهم إلا بُعداً، وما ازداد ليوسف عليه السلام إلا حباً.