تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 214
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
ما زال الحقد باقياً
وأتعجب من نفسي ماذا يكون شعور إخوة يوسف عليه السلام وظنهم لو علموا أن الذي يعنون بالسرقة من قبل هو هذا الملك العزيز أمامهم؟! كيف كان خجلهم وفضيحتهم؟! ثم لو كان صدقاً فما الحاجة في أن يذكروا أمام ملك غريب منهم فضائح إخوتهم، كأن عائلتهم عريقة في السرقة؟! وهل هذا إلا فضيحة لأنفسهم من حيث أرادوا تبرئتها؟! فكأنهم يثبتون الجريمة على أخيهم ويؤكدون أنها صفة لازمة في الأسرة، ماذا يصنع الحقد بأهله؟! وماذا يدمر الحسد من صورة صاحبه؟! وكما قيل: لله در الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله، ثم تأمل حلم يوسف عليه السلام المظلوم أولاً والمظلوم ثانياً، الذي يملك أن ينتقم وينتصر ويواجه المبطل بباطله، ولكنه يحلم ويكظم غيظه، ولا يزيد على أن يُحدِّث نفسه بمقالة يقول: ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا﴾ أي: مما وصفتم به أخاكم كذباً وزوراً، نعم والله؛ فإن من سرق أخاه من أبيه النبي وباعه رقيقاً شر ممن سرق صنماً أو منطقة أو غير ذلك لو كان شيء من ذلك.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ هذا الأسلوب القرآني الرائع في رد العلم إلى الله فيما لا فائدة من معرفته، فالله أعلم بحقيقة ما وقع من يوسف عليه السلام مما جعل إخوته يصفونه بهذا الوصف الباطل، ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ ثم تكون نهاية الأمر عند يوسف عليه السلام بعد الحلم وكظم الغيظ، العفو والصفح والمغفرة بل والدعاء والتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته أن يغفر لهم: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾، ما أحلمه! وما أكرمه! وما أجمله خَلقاً وخُلقاً! فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم - عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام -.
وقوله تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ أي: الكلمة التي قالها في نفسه أسرها ولم يظهرها؛ وهي قوله: ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ وهو من باب ذكر الضمير قبل الاسم الذي يعود عليه؛ قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أسر في نفسه ﴿أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أي: تذكرون، والله أعلى وأعلم.