شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 218

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

نصحهم بعدم قتله، وهذه النزعة ظهرت جلياً في هذا الموقف، فهو يذكرهم بالعهد والميثاق مع الله - سبحانه - الذي قد أخذه أبوهم عليهم برد بنيامين إلا أن يحاط بهم، والتذكر والتذكير بعهد الله عي دليل المراقبة والمحاسبة للنفس وإلا فالفاجر لا يعبأ بعهوده ومواثيقه، وقوله: ﴿ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُم فِي يُوسُفَ ﴾ هنا بدأ الندم يظهر في قلوبهم ويحل على ألسنتهم بعد السنين الطوال، وهذا أول موضع يعترفون أو يعترف أحدهم ويقره الباقون بالتفريط في حق يوسف العليقة، قد مناهم الشيطان وسولت لهم أنفسهم حين مكروا بيوسف العليقة أن يكونوا من بعده قوماً صالحين وأن يتوبوا، فما تابوا ولا صلحوا إلا بعد هذه السنين، فالعبد لا يملك قلبه، والله يحول بين المرء وقلبه، وإنما يُرزق الإنابة والتوبة مع استشعار المراقبة لله، والعلاقة الخاصة والمسؤولية بين يديه، ومع ذكر الله - سبحانه - ومعرفة أسمائه وصفاته، فتأمل كلامهم من أول السورة ما ذكروا صفة الرب - سبحانه - إلا في هذا الموضع حيث قال كبيرهم: ﴿ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾.

سبحان الله ! ما استشعروا أن الله هو الذي يحكم وأنه خير الحاكمين إلا بعد هذا العمر الطويل حين بدؤوا يعاملون ربهم، إن أعظم نعمة ينعم الله بها على عبده أن يملأ قلبه بمعرفته، وأن يُشْهِدَ قلبه أسماءه وصفاته وأفعاله، وأن يأخذ بناصيته إليه ويريه ملكوت السماوات والأرض ويجعله من الموقنين، وينقذه من ورطات الغفلة عن الله وعن صفاته وأفعاله وملكه وحمده، هذه الغفلة التي يعيش فيها أكثر الناس فلا يدرون كم يجلبون على أنفسهم من الشقاء بها، ويعانون من أنواع التعاسة والبلاء والمصائب والمحن بسببها، مع أن معرفة الله ثم محبته والتوجه إليه سبيل قصد مستقيم سهل، أقصر الطرق إلى السعادة، وأيسر السبل إلى الغاية التي خلق الإنسان من أجلها.

وتأمل كيف كانوا طول عمرهم في تعب الحسد ونكد الحقد حتى ذكروا الله وصفاته وأسماءه وشهدوا حكمه وأمره، فبدأ الفرج يلوح لهم وبدأ الخير الذي أوله الندم واستشعار الخطيئة ومشاهدة الجناية يدب إلى قلوبهم، وإن كان الفرج دائماً يأتي في

الصفحة السابقة الصفحة التالية