تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 223
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
@@ كرب جديد فوق الحزن القديم
كان هذا ظناً من يعقوب عليه السلام أنهم صنعوا مكراً بأخيهم بنيامين، ولا مانع من تجويز الخطأ في الظن على الأنبياء وهم لا يُقَرُّون على ذلك، فإذا كان الخطأ في الاجتهاد في الأحكام جائزاً وواقعاً، فلأن يكون جائزاً وواقعاً فيما لا يترتب عليه حكم أولى وأحرى، ولقد اجتهد النبي ﷺ في شأن الأعمى ونزل عتابه: ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ﴾ [ عبس: ١-٢ ]، واجتهد في أسارى بدر، واجتهد في قبول عذر المنافقين في غزوة تبوك، وبين الله عز وجل عفوه عنه في هذه الاجتهادات، وقد وقع منه في شأن تأبير النخل ما هو معلوم حتى قَالَ: « أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ » (۱)، وقال تعالى: ﴿ وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾ [ الأنبياء: ٧٨-٧٩ ] وهذا كله دليل على جواز وقوع الخطأ في الاجتهاد من الأنبياء، وأنهم يُنبهون عليه، فهذا الذي وقع من يعقوب عليه السلام من هذا الباب، والله أعلم، وهو معذور عليه السلام فيما وقع منه لسابق فعلتهم بيوسف عليه السلام، ومع ظنه ذلك كان رد فعله أجل رد فعل وأحسنه: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أي: الذي لا شكوى فيه إلى الخلق، ما أعظم صفات الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -، مصيبة هائلة وخطب جسيم نكأ الجرح والحزن الدفين، ومع ذلك فلا يقابل إلا بالصبر الجميل، بل ولما زاد الكرب وعظم المصاب واشتد البلاء رجا قرب الفرج من ربه العليم الحكيم فقال: ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ أي: يأتيه بأبنائه الثلاثة يوسف وبنيامين وكبيرهم روبيل أو يهوذا، و ﴿ عَسَى ﴾ من الله واجبة، وهي من أنبياء الله خبر عن الله عز وجل فإن شدة البلاء علامة على قرب الفرج لأن الأمور يدبرها العليم بأحوال عباده، الحكيم فيما يُقَدِّره، ليست الأمور تجري بغير حكمة وإحكام، وليست من صنع البشر، إن المقادير يقدرها العليم الحكيم بعلمه وحكمته وإحكامه لكل شيء صنعه، لا يضع الأشياء إلا في مواضعها، ولا يشرع الشرائع ولا يُقَدِّر المقادير إلا للحكم والمصالح التي هي أحب إليه مما لو لم يقدر
______
(۱) رواه مسلم ( ٢٣٦٣ )، وأحمد ( ۱۲۱۳٥ ).