شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 224

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

@@ كرب جديد فوق الحزن القديم

المكروه، فيخلو الأمر عن هذه الأمور المحبوبة التي ترتبت على المكروه، فكم في هذا الألم الذي قدره الله على يعقوب عليه السلام من حكمة بالغة ومصلحة عظيمة، وعبادة له سبحانه، وقدوة وأسوة، وصبر وحلم، ورجاء وحسن ظن بالله، ومعرفة بأسمائه وصفاته وشهود لآثارها في الكون، وكم ارتفعت درجات يعقوب عليه السلام عند الله، وكم من ثناء حسن ولسان صدق في الآخرين بسبب موقفه الرائع: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾، اللهم لك الحمد على ماقضيت، وللك الشكر على ما أنعمت به وأوليت.

وقوله تعالى: ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ أعرض عن أبنائه وتذكر حزنه القديم على يوسف عليه السلام، جدد له فقد الابنين حزنَ يوسف عليه السلام، بل هو لم يزل موجوداً في قلبه لم يفارقه، ولكن الصبر الجميل منع من ظهوره أمامهم، وقد يتعجب المرء من أن الخبر بفقد بنيامين كان يناسبه أن يقول: ( يا أسفى على بنيامين )، ولكنه قال: ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾، فلا شك أن يوسف عليه السلام كان أحب إليه، ثم إن هذا الموقف ذكره بقيمة يوسف عليه السلام وقدره وصفاته الجميلة.

فها هم أحد عشر رجلاً لا يستطيعون حفظ واحد منهم، فما قدرهم بالنسبة إلى قدر يوسف عليه السلام؟ إن هذه البلايا إنما يقوم لها يوسف عليه السلام مقامهم مجتمعين، بل خيراً منهم بلا شك، ووالله لقد كان، فيوسف عليه السلام هو الذي يفرج الله به كرب يعقوب عليه السلام في بنيه، ولكنه يفتقده حينما قال: ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾، إن فقد الرجال وغياب الكرماء وانعدام الثقات هو الذي يؤلم رعاة البشر الأنبياء - عليهم السلام - وأتباعهم، إن هذا المعنى - والله أعلم - الذي جعل عمر رضي الله عنه عندما كان يصلي بالناس فقرأ هذه السورة، حتى إذا وصل إلى قوله تعالى عن يعقوب عليه السلام في هذا الموضع: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُوَ بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾، سمع نحيبه ونشيجه من آخر المسجد، أي: بكاؤه الشديد، وهو الذي يقول رضي الله عنه: ( اللهم إن إليك أشكو جَلَدَ الفاجر وعَجْزَ الثقة )، ويقول لجلسائه يوماً: ( تمنوا )، فيتمنى أحدهم مالاً ينفقه في سبيل الله، ويتمنى الآخر خيلاً يجاهد

الصفحة السابقة الصفحة التالية