تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 225
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
علىها في سبيل الله وغير ذلك، فيقول: ( لكني أتمنى داراً مثل هذه فيها رجال مثل أبي عبيدة بن الجراح أستعملهم في أمور المسلمين )، أو كما قال ﷺ، إنه والله همٌ عظيم وشدةٌ شديدةٌ أن يُفقد الرجال، إذا كان في زمان عمر والصحابة - رضي الله عنهم - حوله متوافرون يشكو إلى الله عجز الثقة، بل أعظم من ذلك إذا كان رسول الله ﷺ هو الذي يقول: « إنَّ النَّاسَ كَالإِبِلِ المِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً » (١)، فالراحلة التي تصلح للسفر الطويل وحمل الأعباء أقل من واحد بالمائة في الناس، فكيف بأزمان انعدم فيها الثقات وغاب فيها العلماء وعز فيها الكرماء؟! اللهم إليك المُشتكى، ويا أسفى على أصحاب رسول الله ﷺ وأمثالهم - وما لهم مثيل - وأشباههم وأتباعهم، ماذا نصنع وكيف نهنا بالعيش، والمسلمون قد تضاعف عددهم بآلاف الملايين، وتضاعف كرهم ومحنتهم وبلاؤهم، وعظم الجهل فيهم وقَلَّ العلم فيهم، وتسلط عليهم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، أما يحق لنا أن نبكي ونبكي على أنفسنا وأهلينا وأبنائنا وأمتنا؟!
إن يعقوب اغلل لما ضيع أبناؤه أخاهم الثاني، تذكر أمانة يوسف اللي وكرمه وعلمه وحسن صفاته، فتأسف عليه، ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ شكوى إلى الله - سبحانه - وحزناً على عدم الراعي الشفيق الرفيق، ومن يُعَدُّ لنوائب الدهر مع أنه يعلم أنه عن قريب يلقاه، وأن غيابه مؤقت لأنه يعلم من الله - من وعده الصادق الذي لا يخلف - ما لا يعلمون، ويعلم من حكمه وجوده سبحانه، ويعلم من رحمته وفضله ما لا يعلمون، ويعلم من عزته سبحانه - وأنه الغالب على أمره، وأنه حَسْبُ مَنْ توكل عليه، وأنه لا يضيع أجر المحسنين - ما يجعله يوقن بقرب لقاء يوسف اطلل، فهل نبكي على حالنا وحال أمتنا، ونشكو إلى الله همّنا وحزننا وبثنا عسى أن يكون في ذلك قرب فرجنا؟ فإن كنا لا ندري ما يصنع الله بنا كأفراد أو كجيل، لكننا على يقين من أن الأمة لا تموت وأن الحق منها لا يضيع، وأنه لا تزال طائفة منها على
______
(١) رواه البخاري ( ٦٤٩٨ )، ومسلم ( ٢٥٤٧ )، والترمذي ( ٢٨٧٢ )، وأحمد ( ٥٣٦٤ ).