شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 226

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

الحق ظاهرين لا يَضُرُّهُم من خالفها أو خذلها حتى تقوم الساعة، ونسأله سبحانه أن يجعلنا منهم وأن يجعلنا خطوات على الطريق ولبنات في البناء إنه هو العليم الحكيم.

وقوله تعالى: ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ ﴾ أي: ذهب ضوؤها فَعَمِيَ يعقوب اطلل، وهذا بلاء جديد، فإنه يأمل ويرجو أن يرى يوسف اطلل بعينيه، ذهبت العينان وذهب البصر بسبب الحزن، ولكن الرجاء في الله باق والصبر قائم، وهذا دليل على أن الحزن لا ينافي الصبر والرضا، فإنه من الرحمة بخلق الله - سبحانه - لا من السخط على قدر الله، كما قال النبي ﷺ عند موت ابنه إبراهيم: « إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ » (١).

إنه مقام الرحمة بالخلق وفيض المشاعر الرقيقة الرفيقة وزوال القسوة التي لا يحبها الله، إن وجود الألم الفطري لا ينافي الرضا عن الله وبالله فضلاً عن أن ينافي الصبر، ولكن هذا الألم يذوب في حلاوة الرضا ويُفِيضُ الله على القلب ما يغنيه ولا يشقيه، فيكون حزناً وبثاً عجيباً لا يشقى به الإنسان، بل يجد لذة الشكوى إلى الله، والشعور بآثار رأفته وَرَوْحِهِ، ويبكي فرحاً، ويشتكي سروراً، ويتألم ملتذاً.

ووالله إنه لأمر عجيب ولكنه حقيقي، قد يصعب وصفه أو يستحيل إدراكه إلا بالوجد والذوق، ولكن إذا تأملت الآيات وجدته والله جلياً واضحاً، فيعقوب اطلل قد صبر الصبر الجميل، وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم أي: ساكت كثيب، لا يشكو أمره وما يجده في صدره إلى مخلوق، وليس حزنه على الماضي وبثه - أي: همه وغمه - على المستقبل والحاضر، ليسا لفوت دنيا ولا لمجرد فَقْدِ ابن، بل هو قلقٌ على مستقبل أُمَّةٍ وغياب راع شفيق يقوم مقام أُمَّةٍ، وهو مع ذلك لا ييأس من رَوْحِ الله ويبث روح الرجاء التي تبدد ظلمات اليأس في بنيه الذين يشفقون عليه من الضعف: ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرِضاً ﴾ أي: ضعيف القوة، ويخشون عليه من

______

(١) رواه البخاري ( ١٣٠3 )، ومسلم ( ٢٣١٥ ).

الصفحة السابقة الصفحة التالية