تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 227
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
الهلاك: ﴿ أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ﴾، فيقول لهم واصفاً حقيقة بكائه وحزنه: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * يَبَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾.
إن عبادة الشكوى إلى الله جل وعلا عبادة عظيمة تجلب للقلب أنواعاً من الطمأنينة والراحة والسكون والسعادة ما لا يمكن أن يوجد في عبادة غيرها، إنها عبادة أدّاها نوح اطلل حين شكى إلى الله عز وجل فقال: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً ﴾ [ نوح: ٥-٧ ]، وأدّاها محمد ﷺ حين قال: « اللهمَّ إليكَ أشكو ضعفَ قوَّتي، وقلةَ حيلتي، وهواني على النَّاسِ، أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، ولكنَّ عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلماتُ وصلح عليه أمرُ الدنيا والآخرة من أن ينزل بي سخطك أو يحلَّ عليَّ غضبك، لك العُتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك » (١)، إنها عبادة استوقفت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين سُمِعَ نشيجه عند هذه الآية واستوقفته حين كان مع أصحابه، فاستوقفته امرأةٌ عجوز، فترك الناس وقام معها فأطال القيام حتى قضى حاجتها فانصرفت، فقال له رجل: ( يا أمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذه العجوز )، قال: ( ويحك، وتدري من هذه؟ ) قال: ( لا )، قال: ( هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت عنها حتى تقضي حاجتها، إلا أن تحضر صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها ).
إن عبادة الشكوى إلى الله جل وعلا من أجلها قَدَّرَ الله المحنة والبلاء، بل والمعصية
______
(١) رواه الطبراني، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ( ١١٨٢ ) وإن كانت شهرته تغني عن إسناده، وقد قال ابن القيم عنه: عليه نور النبوة.