تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 243
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ أي: أعلم أن الله سيرده إليّ، وقلت لكم: ﴿ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ ﴾، لذلك قالوا لأبيยม مترققين له: ﴿ يَتَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ أي: من تاب إليه تاب عليه، قال ابن مسعود رضي الله عنه وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم: أرجأهم إلى السَّحَر، وروى ابن جرير عن محارب بن دثار قال: كان عمر رضي الله عنه يأتي المسجد، فيسمع إنساناً يقول: اللهم دعوتني فأجبتَ، وأمرتني فأطعتَ، وهذا سَحَرٌ فاغفر لي، قال: فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فسأل عبد الله عن ذلك، فقال: إن يعقوب ﵀ أخرّ بنيه إلى السَّحَر بقوله: ﴿ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ﴾ ) أ. هـ. كلام ابن كثير.
وهذه الآية دليل على مشروعية طلب الدعاء من أهل الفضل والدِّين، حيث طلب أبناء يعقوب ﵀ من أبيهم أن يستغفر لهم، وهذا توسل مشروعٌ بدعاء المسلم الصالح الحي، وقد خصَّه بعضهم بالأنبياء، وفي ذلك نظر، ففي الصحيح أن رسول الله ﷺ قد قال لأصحابه عن أُوَيْسٍ بن عامر القَرَنِي أفضل التابعين: « فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَمُرْهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكَ » ⁽¹⁾.
وقال عمر رضي الله عنه في الاستسقاء: ( اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا ) ⁽²⁾، ثم أمر العباس رضي الله عنه أن يدعو، وهذا توسل بدعاء الصالح الحي وقد وقع بمحضر من الصحابة ولم يُنْكَر فكان إجماعاً أو كالإجماع، فلا حجة فيمن كَرِهَ طلب الدعاء من الصالحين، أو جعله خلاف الأولى إلا أن يقصد به نفع الداعي، كما هو مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، فإنه يجعل طلب الدعاء من باب سؤال المخلوقين، ولا شك أن أبناء يعقوب ﵀ لم يكن مقصودهم الأول نفع
______
(١) رواه مسلم (٢٥٤٢)، وأحمد (٢٦٨).
(٢) رواه البخاري (٣٧١٠).