تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 247
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
وتأمل في قوله تعالى: ﴿ ءاوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ﴾ وما يتضمنه من معنى الضم والاجتماع، وما يحتويه ذلك من حلاوة اللقاء وحنان الأمومة والأبوة، ورحمة البنوة بعد طول الغياب، وشهود نعمة الله وفضله في صدق وعده وجميل إحسانه، ووالله إن المرء ليحتاج أن يقف طويلاً أمام هذه اللحظات ليحصل له بها برد اليقين وشفاء الصدر وانشراح القلب، وقد سبق أن ذكرنا أن هذا من أسباب شرح القرآن للصدور وجلاء الأحزان وذهاب الهموم والغموم، فإن استحضار هذه المشاهد وَتَذَكُّرَ أنه كم سبقها من أنواع الآلام، والتي كان معها كذلك من أنواع العبودية التي تحولها لذة وتجعل ضيقها سعة وعسرها يسراً، فاستمتع أيها المؤمن بهذه المشاهدة العظيمة ودَاوِ بها أمراض همّك وحزنك، وأبشر بقرب الفرج وتحقق وعد الله - سبحانه وتعالى -.
وتأمل أدب يوسف عليه السلام مع ربه جل في قوله: ﴿ أَدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ءامِنِينَ ﴾، فقدم مشيئة الله لأن الأمور كلها بيده، ومشيئته جل وعلا هي النافذة، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، وعلى العبد أن يمتثل أمر الله جل وعلا في تقديم مشيئته سبحانه بين يدي كل الأمور، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [ الكهف: ٢٣ - ٢٤ ]، فقول إن شاء الله، هذا الاستثناء ذُرٌّ للحاجة وسبب لحصول المقصود، كما قال النبي ﷺ في شأن سليمان عليه السلام حين قال: « لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ »، فقال ﷺ: « لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعِينَ » (١).
وقوله تعالى: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ أي: على سرير ملكه، أجلسهم معه عليه إكراماً لهما، وفي هذا بر الوالدين وتقديمهما، وقوله تعالى: ﴿ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾ أي: خرّ أبواه وإخوته جميعاً الأحد عشر، وكان هذا السجود سجود تكريم، وكان مشروعاً لمن قبلنا حتى جاء شرعنا بنسخه، وجعل السجود لله وحده لا شريك له،
____________________
(١) رواه البخاري ( ٦٦٣٩ )، ومسلم ( ١٦٥٤ ).