تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 249
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
تعالى: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: يوم يقع ما أخبر الله ﷻ به من القيامة، ولقد كانت الرؤيا متضمنة خبراً، فلما وقع الخبر كان هذا تأويل الرؤيا، وهو ما آل إليه أمرها، فتأويل الكلام: هو ما يصير إليه في حاله الثاني، فتأويل الأمر: فعل المأمور به، وأما الرؤيا فيطلق تأويلها على أمرين:
الأول: تفسيرها وبيان حقيقة ما تدل عليه.
الثاني: وقوع ما دلت عليه الرؤيا.
فتأويل رؤيا يوسف عليه السلام على المعنى الأول: هو أن المقصود بالشمس والقمر والكواكب هم أبوه وأمه وإخوته، وأنهم يسجدون له وهذا تفسيرها، وتأويلها على المعنى الثاني: وقوع ذلك بالفعل، وهو المقصود في هذه الآية الكريمة، والله أعلم.
وتأمل أدب يوسف مع أبيه ـ عليهما السلام ـ في قوله: ﴿ يَأَبَتِ ﴾ التي سبق أن بينا ما فيها من انكسار الرحمة وإظهار المحبة والاحترام والتقدير في مقابلة سجوده له؛ فهو يعلم أن السجود الذي شرع لهم هو تكريم من الله ـ سبحانه ـ له بحكم الملك والنبوة، لكنه يعرف فضل أبيه وقدره ومنزلته وما ينبغي له أن يعامله به من التوقير وخفض جناح الذل من الرحمة له، وقوله تعالى: ﴿ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ﴾ فيه نسبة النعمة إلى الله وشهود تفضله سبحانه به وشهود خلقه أفعال العباد، فالذي جعلهم يسجدون له، هو الله ـ سبحانه ـ، ولم يقل يوسف عليه السلام: ( قد تحققت رؤياي ) مثلاً أو نحو ذلك، كعادة أكثر الناس في مثل هذا المقام وغيره، ينسون نسبة الفضل إلى الله وربما نسبوه لأنفسهم أو لغيرهم، وأنت تلاحظ هنا أن يوسف عليه السلام نسب كل الأفعال إلى الله ﷻ فقال: ﴿ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ﴾، وقال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي ﴾ فنسب الإحسان إلى ربه، وقال: ﴿ إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾ فنسب الإخراج إليه، ولم يقل خرجت، وقال: ﴿ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ ﴾ فنسب المجيء بهم إلى الله