تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 251
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
بادية وماشية، وقال: كانوا يسكنون بالعربات من أرض فلسطين من غور الشام.
وقوله: ﴿ مِّن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ أدبٌ رفيع ووفاءٌ بالوعد الذي وعد به إخوته: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾، فجعل ما فعله إخوته به نَرْغاً من الشيطان، وقدم نفسه أولاً ﴿ مِّن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ تأنيساً لهم وإزالة لجرح النفوس في هذا المقام، وما أحسن نسبة ما حدث إلى الشيطان بعد توبتهم ورجوعهم إلى الله ـ سبحانه ـ والاعتراف بخطيئتهم، وفي هذا أثر التربية الإيمانية في الصغر، فأبوه في صغره حين نهاه أن يخبر بالرؤيا إخوته فيكيدوا له كيداً، بيّن له أن كيدهم إنما يكون بوسوسة الشيطان فقال: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا ﴾، فظلت هذه الكلمة في نفس يوسف عليه السلام، فذكرها في هذا المقام، ونسب فعل السوء إلى الشيطان ونزغه، وهذا أمر لابد أن يظل من المرء على بال حتى لا يغفل عن عداوة الشيطان، ولا يسمح لأحداث وقعت بينه وبين إخوته أن تُبقي روح الحقد والانتقام إذا استشعر أنهم هم الذين فعلوا به، فأما إذا استحضر أنه نزغ الشيطان، وأنه وإخوانه صف واحدٌ في محاربته؛ كان ذلك الفكر بهذه الطريقه من أعظم أسباب عودة الألفة وزوال العداوة.
وقوله: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ﴾ القصة مليئة بأنواع اللطف الخفي والأسباب العجيبة لحصول ما قَدّرَه الله ﷻ التي في بدايتها يظن الظان أنها تؤدي إلى نتائج أخرى عكس ما وقع، فقد جعل الله إلقاء يوسف عليه السلام في الجب إراحة له من هم وغم وحسد إخوته، وجعل بيعه رقيقاً الذي ظاهره الذل والهوان تمكيناً له في الأرض في حياة رغيدة هنيئة بعيداً عن قسوة البادية وجفاء الإخوة، وجعل السجن طريقاً إلى ملكه ومكانته، وجعل مكر إخوته سبباً لفشلهم فيما أرادوا، وجعل الكرب الذي أصاب يعقوب عليه السلام وتضاعّف عليه سبباً في الفرج، وجعل القحط والجدب الذي أصابهم سبباً للسّعة والرخاء والعافية، وقَدّر ـ سبحانه ـ من الأسباب لما يشاء ما تعجز العقول عن إدراكه، فاللطف فيه معنى الخفاء مع الإحسان والتفضل، فالله لطيف بعباده يرزقهم