تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 256
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
@@ دعاء وتضرع
مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ، فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكِ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، فَيَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ يَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ، يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ يَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، يَقُولُ: مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ »(١).
فإذا كان مجالسة الصالحين تمنع الشقاء فكيف يُفرَّطُ فيها؟! فإنهم لما قرت أعينهم بالله، قرت بهم كل عين، وأنس بهم كل مستوحش، وفرح بهم كل حزين، وأمن كل خائف، واطمأن بهم كل مضطرب، وإذا كان كلب قد صحب الصالحين - أصحاب الكهف - فذُكر معهم في كل موضع وصار ثامنهم، فكيف بمؤمن يصحب المؤمنين؟! فكيف بصحبة الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين؟ إذا كانت مصاحبة الأعلى للأدنى مأموراً به، فكيف بمصاحبة الأدنى للأعلى؟ وما أجمل قول قتادة في هذا الموضع عن يوسف ﴿ﷺ﴾: ( لما جمع الله له شمله، وأقرَّ عينه، وهو يومئذٍ مغموسٌ في نعم الدنيا وملكها ونضارتها، اشتاق إلى الصالحين قبله ) ! أ. ه. وذلك أنه تذكر أن كل لقاءٍ في الدنيا فلابد من موتٍ وفراق بعده، ﴿وفي الحديث الصحيح أن جبريل ﴿ﷺ﴾ قال لرسول الله ﷺ: ﴿ « يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك
______
(١) رواه البخاري ( ٦٤٠٨ )، ومسلم ( ٢٦٨٩ )، واللفظ له.