شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 257

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

@@ دعاء وتضرع

مُفَارِقُهُ »، فطلب يوسف العلَام الموت على الإسلام، واللقاء الذي لا فراق بعده عند الله عَزَّوَجَلَّ بصحبة الصالحين، فمهما فاتك أخي المبتلى بالبعاد عن الأهل والأحباب، فتذكّر أن هناك لقاءً لا فراق بعده مع الصالحين عند الله عَزَّوَجَلَّ، فاعمل لذلك، ومهما أتاك أخي المبتلى بصحبة الأهل والأحباب - وهو ابتلاء بالخير - فإياك أن تطمئن إليه، واطلب ما هو أعلى وأدوم: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾.

فائدة: تأمل في قوله العَلام: ﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾ فـ ﴿ مِنْ ﴾ هنا للتبعيض، رغم أنه ما عرض عليه - في سياق قصص القرآن - رؤيا إلا أولها، وقال لصاحبيه في السجن: ﴿ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾، ومع ذلك فلاثبد أن يستحضر العبد أنه لا يعلم كل شيء، بل لا يعلم إلا ما علّمه الله، فكل واحد من البشر يعلم أشياء ويجهل غيرها، والمقام مقام تضرع وانكسار لله - سبحانه -، وحقيقٌ عليه أن يذكر ﴿ مِنْ ﴾ التي تفيد التبعيض، بخلاف ما لو حُذِفت، فقال مثلاً: ( وعلمتني تأويل الأحاديث ) لكان خلاف الحقيقة في عدم الإحاطة بكل التأويل، وخلاف الأدب في هذا المقام، والله أعلم.

قال ابن كثير - رحمه الله - في هذه الآيات: ( هذا دعاءُ من يوسف الصديق العلَام، دعا ربه عَزَّوَجَلَّ لما تمت نعمةُ لِّمِ الشمل عليه باجتماعه بأبويه وإخوته، وما مَنَّ الله به عليه من النبوة والملك، سأل ربه عَزَّوَجَلَّ كما أتم نعمته عليه في الدنيا، أن يستمر بها عليه في الآخرة، وأن يتوفاه مسلماً حين يتوفاه، قاله الضحاك، وأن يلحقه بالصالحين، وهم إخوته من النبيين والمرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -، وهذا الدعاء يحتمل أن يوسف العلَام قاله عند احتضاره، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله ﷺ جعل يرفع إصبعه عند الموت ويقول: « اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى » (١)، ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله.

______

(١) سبق تخريجه ص (٢٥٥).

الصفحة السابقة الصفحة التالية