تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 262
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
إعجاز القرآن ودلائل النبوة
النهاية، رغم قوة الباطل الظاهرة وضعف أهل الحق في الأسباب المادية، وما ذاك إلا لأن الله - سبحانه - يمكر بمن يمكر بأوليائه، وَمَكْرُهُ ﷺ صفة كمال لائقةٍ به سبحانه وبجلاله وعظمته، منزهة عن النقص والظلم والسوء، لا يشبه مكر المخلوقين، وهو خير المكر، وهو إنما يمكر بمن يستحق المكر؛ عدلاً منه سبحانه وحكمة.
وفي هذا ما يُطمئن قلوب المؤمنين، خصوصاً مع ضعف إمكانيتهم في معرفة مكر أعدائهم من الكفرة والمنافقين والظلمة، وفي مواجهته لو عرفوه، مع أن مكر الأعداء شديد كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]، فعلى الله يتوكل أهل الإيمان في دفع مكر الماكرين، ويفوضون أمورهم إليه؛ إذ هو بما يعمل الكافرون محيط، ومكرهم في علمه سبحانه لا يغيب عنه شيء منه، وهو بصيرٌ به كما قال سبحانه عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٤-٤٦].
فليبشر المؤمنون بأن تخطيط الكفار لهم لن يثمر ثماره، ولن يؤدي إلى نتائجه، ولن يُحقق أهدافه؛ فلله المكر جميعاً؛ يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار، ومن أعظم دليل على ذلك ما وقع في قصة يوسف عليه السلام من مكر إخوته به، وكيف كان عملهم في باطن الأمر عملاً لرفعة يوسف عليه السلام ونجاته من شر حسدهم وبغيهم، وكيف كان مكر امرأة العزيز والنسوة سبباً لعزه وملكه من حيث أرادت ذله وسجنه: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ تسلية لرسول الله ﷺ وهو القدوة الحسنة لكل الدعاة بعده، عن عدم إيمان أكثر الناس، وهذه مسألة عظيمة