شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 263

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

إعجاز القرآن ودلائل النبوة

الأهمية في نفس الداعي إلى الله عز وجل؛ ومرحلةٌ مهمةٌ لابد أن تمر بها دعوة الحق، لها مصالح جمة وحكم بالغة، من أهمها: تحصيل عدم الزهد في القلة، وعدم الاغترار بالكثرة، وعدم بناء الأمور على الكثرة، قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً ۖ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٠]، وقال عن نوح عليه السلام: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]، فلابد أن يُوَطِّنَ الداعي نفسه على أن عليه العمل، وليس عليه النتائج، عليه البلاغ عن الله عز وجل وعن رسوله ﷺ، وليس عليه الهداية.

ومن حكم ذلك وفوائده: تحصيل الإخلاص وإرادة الله والدار الآخرة، وذلك أن من يعمل ولا يجد في الدنيا ثمرة عمله ودعوته من إقبال الناس على دعوته؛ فإنه لا يُؤَمِّلُ ولا يرجو إلا رضا الله عنه وثوابه.

وإذا علم الداعي أن هناك من الأنبياء من لم يجبه أحد، كما في حديث ابن عباس ﷺ مرفوعاً: « عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ » (١)، ومع ذلك نالوا أجرهم عند الله كاملاً غير منقوص، فما عليه أن يهتدي الناس، ما دام قد قام بما عليه من الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، ولم يكن فظاً غليظ القلب يؤدي إلى انفضاض الناس من حوله، وكانت دعوته نقيةً بيضاء لم يشب الحق فيها شائبة تؤدي إلى انصراف الفِطَر السليمة عنها، فلا يعبأ بما عليه الناس.

ومن حكم ذلك: أن يوقن أهل الإيمان وأهل الدعوة أن النصر ليس من صُنعهم، فإنهم قد مرّ عليهم وقت يفر الناس فيه من الحق فأين كانوا هم حينئذ؟ وما كانوا يملكون لأنفسهم ولا لدعوتهم نصرًا ولا تمكينًا، بل حتى ولا حماية وجوارًا من الأذى، فإذا آوى الله عز وجل عباده المؤمنين القليل المستضعفين في الأرض، وأيدهم بنصره.

______

(١) رواه البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠)، وأحمد (٢٤٤٤).

الصفحة السابقة الصفحة التالية