تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 265
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
﴿وَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، ومن سيرة رسول الله ﷺ والأنبياء قبله؛ فلا نلومنَّ إلا أنفسنا، ونسأل الله العافية.
ومن حكم قلة المؤمنين في بداية الدعوة: أن يوقن الداعي أن نجاح الدعوة ليس لفصاحته ولا لبلاغته ولا حسن أسلوبه ولا لشدة حرصه، فلن يكون في شيء من ذلك أشد من النبي ﷺ، بل ولا مماثلاً له، بل ولا قريباً منه، ومع شدة حرصه ﷺ واجتهاده وكمال عبوديته، مرت الدعوة بهذه المرحلة، ولم يؤمن أكثر الناس، ولم يهتدِ النبي ﷺ من أحب.
فليوقن الداعي بذلك، وليشهد فقره وعجزه عن هداية الناس، فإذا اهتدى على يديه أحد فلا يقل لنفسه ولا لغيره: (أنا الذي دعوت)، (أنا الذي علمت)، (أنا الذي ربيت)، (أنا الذي صبرت وضحيت)، فهذا باب فساد خطير في قلب الداعي وقصده، وهو بداية العُجب ثم الكبر والمنّ على الخلق، ثم التنافس على الدنيا باسم الدين والحقد والحسد، نعوذ بالله من ذلك كله.
ومرور الدعوة بمرحلة القلة والضعف يُغلق هذا الباب، لأن المؤمن يتذكر هذه المرحلة، ويتذكر حاله فيها من ضعف القوة وقلة الحيلة والهوان على الناس، وأنه لم يكن بيده ساعتها أن يغير هذا الواقع، ولا حتى يعلم متى يتغير - وإن كان موقناً بوعد الله -، إلا إنه لا يدري أيكون موجوداً على ظهر الأرض ساعة يتغير؛ أم يكون قد رحل عنها؛ فلله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله؛ ووعد الله هو لمجموع الطائفة المؤمنة؛ ولا يلزم أن يدرك آحادها ذلك في حياتهم، بل بالقطع يسقط الكثيرون شهداء في الطريق قبل الوصول، فإذا تذكر المؤمن ذلك لم يغتر بعمله ولا بعلمه ولا بدعوته ولا بجهاده، فكانت هذه المرحلة من أهم وأنفع المراحل للدعوة والداعي.
وفي قوله تعالى: ﴿وَ لَوْ حَرَصْتَ﴾ بيان لحرص النبي ﷺ على إيمان أكثر الناس.