شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 266

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

وقد دلت أدلةٌ كثيرة على شدة حرصه ﷺ على ذلك مثل قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3] أي: مهلك نفسك، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8]، وقوله تعالى: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَىٰ هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [النحل: 37]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99].

وهذا مما ينبغي أن يكون عليه الداعي إلى الله ومعلم الناس الخير وهو أن يكون حريصاً على هداية الناس، فهدفه الأول أن يهتدي الناس، وأن يعرفوا ربهم ويحبوه، وهو يحرص على ذلك لأنه المأمور به شرعاً؛ حتى ولو كان يعلم أن القَدَر قد مضى بغير ذلك، فالحرص على هداية الخلق امتثالٌ للشرع، ولكن شهود القدر يمنع الإحباط واليأس والحزن والكآبة، التي إذا وقعت في نفس الداعي أقعدته عن العمل، وأبطلت دعوته وسعيه؛ فعليه أن يبلغ الحق وليس عليه أن يهتدي الناس، عليه أن يحرص على هداية الخلق، وإذا رأى غير ذلك علم أن من ورائه حكمة بالغة ومصالح باهرة يحمد الرب عليها؛ فله الحمد على كل حال ولا يُحمد على مكروه سواه.

وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ بيان لأصل عظيم في دعوة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -، وهو أنهم لا يأخذون أجراً من الخلق على دعوتهم، وهكذا خَلُصَ أتباعهم، وهذا من أعظم أسباب استجابة الناس للدعوة، لأنهم فُطِرُوا على أن من لم يسألهم أجراً فهو يحب الخير لهم؛ فهم يقبلون ما جاءهم به، قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [المؤمنون: 72]، وقال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ [الطور: 40]، وقال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: 29]، وقال عن هود عليه السلام: ﴿يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [هود: 51]، وقال في سورة الشعراء عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب - عليهم جميعاً الصلاة والسلام - أن كلاً منهم

الصفحة السابقة الصفحة التالية