تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 267
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
قال لقومه: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 109، 127، 145، 164، 180]، وقال ﷺ عن مؤمن آل ياسين في استدلاله على قومه في وجوب اتباع الرسل: ﴿اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [يس: 21]، ولما كانت هذه القضية عظيمة الأهمية في استجابة الخلق، كان حرص كثير من أهل الباطل على العمل الذي يسمونه (خيرياً) ليتوصلوا به إلى إقناع الناس بدعوتهم الباطلة، فَفِرَقُ المُنَصِّرين وجماعاتهم إنما تدخل إلى قلوب الجهلة والسذجة في أماكن متفرقة من العالم بالعمل التطوعي بلا أجر.
وما أكثر الدجالين والمشعوذين والسحرة والكهنة الذين يروج أمرهم على العامة لأنهم لا يأخذون أجراً، وإن كانوا عند التأمل يحصلون على مصالح مادية هائلة، بالطرق الخفية من خلال الجاه الذي يحصل لهم بسبب عملهم (بلا أجر)! أفلا يعي هذه الحقيقة أتباع الأنبياء من العلماء والدعاة؟! ويعلمون أن دعوتهم إنما تجد أبواب القلوب مفتوحة بقدر ما أخلصوا عملهم لله والدار الآخرة؛ ولم ينتفعوا من دعوتهم بشيء من حطام الدنيا؟
وفي الأثر الإسرائيلي: (يا ابن آدم عَلِّمْ مجاناً، كما عُلِّمْتَ مجاناً)؛ ولو تأملت العلم الحقيقي النافع الذي ورثته الأمة، هل أخذ أحد من أهله على تعليمه للناس أجراً؟ فهؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - علموا التابعين - رحمهم الله -، وكانوا جميعاً يعلّمون مجاناً بلا أجر منهم، ولا حتى من الدولة الإسلامية؛ وكذا كان جهادهم وفتوحاتهم، ومن بعدهم التابعون وتابعوهم، ومن بعدهم الأئمة والعلماء.
فهؤلاء أئمة المذاهب الأربعة الكبار: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد؛ ما أخذ أحدٌ منهم أجراً قط على تعليمه العلم، ولا كانت وسيلة كسبه ومعاشه تعليم الناس، وانظر إلى البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأهل الحديث، كم أخذوا على كتبهم ورحلتهم في طلب العلم؟! وغيرهم كثيرٌ كثيرٌ تجدها