تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 269
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
من التعليم إلا ببذل الأجرة، بل يلزمه أن يبذله له من غير عوض، والله أعلم.
وأكثر مسائل الدعوة من هذا الباب، أما مسألة جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، فمسألة خلافية، ذهب مالك والشافعي - رحمهما الله - إلى الجواز، استدلالاً بقول النبي ﷺ: « إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ » (١)، وذلك من حديث الرقية بالقرآن، وكذا استدلوا بحديث الواهبة نفسها، قال النبي ﷺ: « اخْذَبْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ » (٢)، وفي رواية: « فَعَلِّمْهَا مِنَ القُرْآنِ »، وهذه أدلة ظاهرةٌ، وذهب أبو حنيفة - رحمه الله - إلى منع أخذ الأجرة على الطاعات مطلقاً، استدلالاً بحديث أبي ابن كَعْبٍ، قالَ: عَلَّمْتُ رَجُلاً القُرْآنَ فَأَهْدَى إِلَىَّ قَوْسًا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: « إِنْ أَخَذْتَهَا أَخَذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ، فَرَدَدْتُهَا » (٣)، ورغم المقال الذي فيه إلا أن له شواهد تقوي معناه.
وذهب الإمام أحمد إلى عدم جواز المشارطة، وجواز أخذ الجعل من غير مشارطة، ولا شك أن الأحوط قول أبي حنيفة، والأقوى دليلاً قول مالك والشافعي - رحمهما الله تعالى -، وعلى أي حال، فلا شك أن العمل الإسلامي لن يقوم - علماً وتعليماً ودعوة وجهاداً - إلا على من لا يسأل الناس أجراً وهم مهتدون.
وقوله تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ يتضمن قضية عظيمة الأهمية بالنسبة إلى فهم المؤمن عموماً والدعاة إلى الله خصوصاً لحقيقة هذا الدين وحدود دعوته، ألا وهي قضية عالمية الإسلام، فهو قد جاء ليعم الأرض كلها، دعوة في البداية وسلطاناً في النهاية، وقد بعث محمد ﷺ رحمة للعالمين، ولابد أن تصل الرحمة إلى جميع العالم، لا تختص بقوم دون قوم، ولا بلد دون بلد، فليس هناك شؤون داخلية للأمم لا دخل للمسلمين بها، إن دعوة الإسلام هي دعوة النوع الإنساني بأسره، ورسولهم محمد ﷺ.
______
(١) رواه البخاري ( ٥٧٣٧ ).
(٢) رواه البخاري ( ٥١٣٢ )، ومسلم ( ١٤٢٥ ).
(٣) صحيح: رواه ابن ماجة ( ٢١٥٨ )، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة.