تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 270
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
رسولٌ إلى الإنس والجن، قال تعالى: ﴿ قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [ الأعراف: ١٥٨ ].
وأرض الإسلام التي يجب على المسلمين أن يحرروها من احتلال عبّاد الطواغيت هي الكرة الأرضية كلها، إن الأرض أرض الله، والخلق عباد الله، فلابد أن يعلوهم شرعه ودينه، فمن شاء بعد ذلك أن يكفر فلا يحق له أن يفرض كفره على غيره، وعلى أجيال من البشر قادمة، يعمى عليها الحق، ويُلَبَّس بالباطل والخداع الذي يسمى إنفورميشن أو الإعلام، وما هو إلا تجهيل وتزوير، حتى يرى الناس الحق باطلاً، والنور ظلاماً، وأشقى طرق الحياة بدون الطريقة المثلى كما قالها آل فرعون: ﴿ إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ﴾ [ طه: ٦٣ ]، ولكي يحجب عن الخلق نور الهدى الذي جاء به محمد ﷺ، وليعيش البشر أسوأ والله من حياة البهائم، بل يعيشون حياة الشياطين، فهل من ظلم للبشرية أشد من أن تترك هكذا محرومة من هذا الدين إذا تصور أصحابه - وليسوا حينئذ بأصحابه حقاً - إذا تصورا أن دعوتهم قاصرة على أممهم وبلادهم؟ هذا التصور الذي لو وُجِدَ عند الصحابة - رضي الله عنهم - لما دخل الناس في دين الله أفواجاً.
إن عالمية دعوة الإسلام نابعة من حقيقة الغاية التي خُلِقَ من أجلها البشر، وهي عبادة الله عز وجل، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [ الذاريات: ٥٦ ] فلا يجوز أن يُحْرَم الإنسان من هذا الذكر، الذي يتذكر به العالم حقيقة الحياة والوجود والبداية والنهاية، وكيف يعيش الحياة التي أرادها الله خالقها ومبدعها سبحانه وتعالى، إن عالمية دعوة الإسلام نابعة من حقيقة القرآن، وأنه الكتاب الذي أنزله الله ليحكم بين الناس - كل الناس - فيما اختلفوا فيه، وأنه النور المبين الذي يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم.