شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات إيمانية في سورة يوسف

الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 271

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

إن حق البشرية في الرحمة المهداة ﷺ حقٌّ متساوٍ لكل إنسان، مكفولٌ لكل من طلبه، مثل الهواء والماء وضوء الشمس، لأنهم لو خُرِموا هذه الأشياء لضاعت عليهم حياة أبدانهم، وهي حياة يسبقها الفناء ويعقبها الفناء، وأما إذا حُرِموا من الوحي الذي جاء به محمد ﷺ خاتم الأنبياء، ضاعت عليهم حياتهم الأبدية التي هي حقيقة الحياة كما يقول الإنسان يوم القيامة: ﴿ يَلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ [ الفجر: ٢٤ ]، فضلاً عن ضياع سعادتهم في حياتهم الدنيا، وحصول الشقاء والتعاسة من كل وجه، ولو نالوا كل الشهوات.

وإذا استحضرنا أن سورة يوسف عليه السلام من السور المكية التي نزلت على رسول الله ﷺ وهو محصور بمكة، والدعوة لم تَجِدْ بعد الأرض التي تُؤُوِي أصحابها، بل هم قليل مستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، ومع هذا تنزلت هذه الآية، وأمثالها في القرآن كثير، كقوله تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ [ ص: ٨٨-٨٧ ] في سورة ( ص ) وهي مكية، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ [ القلم: ٥٢ ] في سورة ( القلم ) وهي مكية من أوائل ما نزل، نزلت بعد المدثر، وكقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [ الأنبياء: ١٠٧ ] في سورة ( الأنبياء ) وهي مكية، وكذا قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [ الأعراف: ١٥٨ ] في سورة ( الأعراف ) وهي مكية، وإذا استحضرنا ذلك كله علمنا أن هذه القضية بَيَّنَتْ أوضح بيان من بداية الدعوة، وفي أول طريقها الذي حُفَّ بالمكاره، بغض النظر عن إمكانية التطبيق في هذا الوقت، إنها لابد أن تكون واضحة في نفوس المؤمنين والدعاة، خصوصاً منذ البداية ليستعدوا بالهمة العالية والعزيمة الصادقة على السير في الطريق الطويل، حتى ولو لم تكن وسائل السير وطرق تحقيق هذا الأمر ظاهرةً في الأفق.

إن هذه الأمة تهيأت لتقود العالم بأسره، وللشهادة على الناس، فلابد أن يعرفوا دورهم وحجمهم الحقيقي، وحجم العبء الذي كُلِّفوا به ليعدوا للأمر عدته، إنهم لو

الصفحة السابقة الصفحة التالية