تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 272
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
ظنوا أن حدود دعوتهم - مثلاً - جزيرة العرب، لكانت همتهم - وبالتالي سعيهم - على قدر ذلك، وكذلك لو ظن العاملون في العمل الإسلامي أن دورهم هو - مثلاً - مسجدهم أو حيهم أو مدينتهم وقريتهم أو حتى إقليمهم، فستكون همتهم - وبالتالي سعيهم - على قدر ذلك.
ولكن إذا أيقنوا أن الإسلام هو ذكرٌ للعالمين، وأن دورهم في توصيله - نقياً كما جاء به رسول الله ﷺ - إلى أهل الأرض كلهم، كانت همتهم - وبالتالي سعيهم - على قدر ذلك، إن هذا الفهم هو الذي جعل الصحابة ينطلقون في المشارق والمغارب نشراً للإسلام، وجهاداً لإعلاء كلمة الله، وتعليماً وتربيةً للأمم والشعوب حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً، وإن هذه الهمة التي جعلت مثل عقبة بن نافع يقف على شاطئ الأطلسي بجواده، ويدخل المحيط خطوات مبيناً رغبته في أن يخوض غمار هذا البحر المحيط يقول: والله يا بحر لو أعلم أن وراءك أرضاً تفتح في سبيل الله لخضتك بفرسي هذا.
وهذه الهمة هي التي جعلت مثل صلاح الدين بعد أن ينتصر على الصليبيين يحدث نفسه ورفاقه أنه ينوي أن يركب البحر ليصل إلى عمق بلاد الفرنجة، ويجاهد في سبيل الله حتى لا يبقى أحدٌ يعبد غير الله إلا أسلم أو دفع الجزية، قد تكون الإمكانيات في بعض الأحوال تحول دون تطبيق ذلك، لكن لابد أن يظل الشعور بلزوم نشر الإسلام في العالمين كلهم وتذكيرهم جميعاً بكتاب الله حياً في القلوب مورثاً عبر الأجيال، فإن صراع المناهج والملل والحضارات لا تحسمه القوة المادية، فإن موازين القوى تتغير في لحظات، وإنما يحسمه حال القلوب وعزمها وصدقها وثباتها ويقينها.
إن الانكسار الحقيقي الذي يريده الأعداء ليس هو كسر الجيوش والأفراد ولو وضعوهم في السجون وكبلوهم بالقيود، وإنما يريدون كسر النفوس والأفكار والمعتقدات، وإنما يريدون أن يركن أهل الإسلام إلى باطلهم، فينطفئ النور الذي