تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 275
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
إعجاز القرآن ودلائل النبوة
اعتقادنا بلزوم تطبيق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بفهم سلف الأمة لا يُزعزع، وإذا عجزنا عن شيء منه فهو يسقط عنا لعدم القدرة، لا لأنه غير لازم أو نقبل فيه التحريف والتبديل، ففرض الجزية على غير المسلمين في الدولة المسلمة أمرٌ لا يحتمل التبديل والتغيير، ولننقل الآيات والأحاديث والوثيقة العمرية لأهل بيت المقدس عند فتحها لمن بعدنا من الأجيال، على أنها شريعة حتمية التطبيق عند القدرة على ذلك، كما كان رسول الله ﷺ يعلم صحابته كتاب الله الذي فيه: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾، وربّاهم على أن مهمتهم هي نشر الإسلام في العالم كله، وهم بَعْدُ محاصرون بمكة لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم الأذى من المشركين.
إن الركون إلى الذين ظلموا هو افتراء غير الحق في دين الله، وليس علينا العمل بما نعجز عنه، وإنما يحصل الانحراف والتبديل إذا قبلنا تحت ضغط الواقع أن نتنازل عن شيء من عقيدتنا ومنهجنا ودعوة الحق التي بأيدينا. فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
ومن أهم لوازم صفة العالمية للإسلام أنه لا يعرف فواصل بين الأمم والشعوب، فالناس كلهم في لزوم الالتزام به وفي التفاضل بينهم وفي المجازاة بأعمالهم في الدنيا والآخرة سواء لا تفاضل إلا بالتقوى، ولا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى، فالنعرات القومية والوطنية والقبلية والحزبية وسيادة لون أو جنس على سائر الأجناس كلها من دعوة الجاهلية التي وضعها رسول الله ﷺ تحت قدميه يوم عرفة في حجة الوداع، فيجب أن تكون كذلك عند كل مؤمن ومسلم، لا أن يضعها فوق رأسه، والمجتمع المسلم لا يبنى على صراع طبقاته بين أغنياء وفقراء أو عمال وفلاحين ورأسماليين أو غير ذلك، بل يُبنى على الحب في الله للمؤمنين والبغض في الله للكافرين، يبنى على قول النبي ﷺ: « الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ