تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 276
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
إعجاز القرآن ودلائل النبوة
يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ »(١)، وإن كان ذلك لا يعني ظلم الكفار الذميين أو المستأمنين أو المعاهدين بل ولا ظلم غيرهم من الحربيين، فقد كفل لهم الإسلام حقوقهم بما شرعه الله، وسَنَّه رسوله ﷺ، وطبّقه خلفاؤه الراشدون، فالمعاهد منهم بعهده آمن على دمه وماله وعرضه، لا يكره على ترك دينه ما دام قد وَفَّى بشرط العهد أياً كان نوعه، ذمةً أو أماناً أو عهداً.
كما أن صفة العالمية تجعل قضية المسلمين في كل أرضٍ قضية واحدة، فهم يتناصرون في الدين على تباعد أقطارهم واختلاف لغاتهم وتباين أجناسهم، وانتهاك حرمة مسلم أو أرض إسلامية في مكان هو عدوان عليهم جميعاً، يجب عليهم التناصر على دفعه وإغاثة المظلوم الأقرب فالأقرب، حتى إذا لم يندفع العدو إلا باجتماعهم جميعاً تعين عليهم ذلك، وهذا من أعظم ما يقلق أعداء الإسلام، ويحاولون جاهدين تمزيق قضايا المسلمين بين أجناسهم ودولهم، كما اصطنعوا هم تلك الحدود الفاصلة بين أجزاء الأمة الواحدة حتى يقاتل بعضهم بعضاً، وهذه الروح التي تشعر المسلمين بحقيقة جسدهم الواحد كما بينه الرسول ﷺ من أعظم ما يقوي قلوبهم في مواجهة عدوهم، وما أثر مشاركة المسلمين إخوانهم في أفغانستان والبوسنة وغيرها في إحياء قضاياهم وبث روح الصبر والثبات في صفوفهم بخافٍ على أحد، بل ظاهرٌ للولي والعدو، مما جعل همة الأعداء منصبة على قتل هذه الروح، ومحاولة إذهابها من نفوس المسلمين، إذ هي تقف حجر عثرة في مواجهة مخططاتهم خاصةً أعداء الله اليهود ومن والاهم من النصارى والمشركين، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿ وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ بينت الآيات السابقة شدة حرص النبي ﷺ على إيمان الناس، وبينت معجزات باهرة وآيات بينة له ﷺ تقتضي إيمانهم، ومع ذلك فأكثرهم لا يؤمن، فكانت
__________
(١) صحيح: رواه النسائي (٤٧٣٤، ٤٧٣٥)، وأبو داود (٣٧٥١)، وابن ماجة (٢٦٨٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٦٦٦).