تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 281
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
التحذير من الشرك
المكذبين لرسول الله ﷺ، وعلى ذلك فإيمانهم الذي آمنوا - من الإقرار بخلق الله للسماوات والأرض وخلقهم هم - قد حبط وبطل لاقترانه بالشرك الأكبر، قال تعالى: ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [ الزمر: ٥٦-٥٧ ]، فالشرك يحبط الإيمان والعلم، لا يُقبل معه إقرار ولا اعتراف ولا عمل، ومن الشرك الأكبر النفاق الأكبر كما فسره به الحسن، وهو داخل في عموم الآية وإن لم يكن موجوداً وقت نزولها.
والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا الإيمان لا أثر له ولا يُثاب صاحبه عليه لأن الشرك أبطله وأحبط أثره، وشرط انتفاع الإنسان بأصل الإيمان بقاؤه وعدم حبوطه بالشرك الذي قامت به عليه الحجة، وهذا مثل معرفة إبليس وإقراره بأن الله خلقه وخلق آدم، وأنه يبعث الناس يوم القيامة، وأنه الذي يُحيي ويميت ويُنظِر من شاء: ﴿ قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [ الأعراف: ١٤ ]، ومع ذلك فهو أشد الخلق كفراً، وكذا يقين فرعون وآله بآيات الله التي جاء بها موسى عليه السلام، وعلمهم بأنها نزلت من عند الله، ومع ذلك لوجود الإباء والاستكبار والجحد الظاهر لم ينفعهم اليقين والعلم الباطن، وفي هذا أوضح رد على الجهمية وغلاة المرجئة القائلين: إن الإيمان هو المعرفة، وجوزوا أن يكون الإنسان ناطقاً بالكفر فاعلاً للشرك وهو في حقيقة الأمر مؤمن، بل كامل الإيمان عندهم.
ولو التزم أحدٌ منهم إيمان إبليس وفرعون وقومه لكان كافراً خارجاً من الملة بإجماع أهل العلم، فإن كفر هؤلاء معلوم من الدين بالضرورة، فالشرك الأكبر لا يجامع أصل الإيمان النافع في القلب، بل لا يجامع شيئاً من الإيمان إلا على سبيل الإحباط، وإذهاب الأثر كالعدم وإن لم تزل من القلب المعرفة بالكلية، بل ولو لم يزل نطق اللسان بالتوحيد كالنفاق الأكبر كما ذكرنا، وبالتالي فلا يجوز بحالٍ أن يطلق اسم الإيمان على من لبس إيمانه بالشرك الأكبر الذي قامت به الحجة.