تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 282
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
التحذير من الشرك
وهذا القيد - وهو قيام الحجة - إنما ذكرناه لأن أدلة الشرع كتاباً وسنة وإجماعاً دلت على أن الله عز وجل لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة، وأن من ارتكب شيئاً من الكفر أو الشرك مخطئاً من غير قصد كالذي قال: ( اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ) (١) كما ذكره النبي ﷺ، أو ناسياً من غير ذكر ( كمن نسي آية من القرآن غير متذكر لها )، أو إكراهاً من غير اختيار لقوله تعالى: ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ [ النحل: ١٠٦ ]، أو جاهلاً من غير بلاغ الحجة لقول الله تعالى: ﴿ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾ [ الأنعام: ١٩ ]، أو متأولاً تأولاً يعذر فيه لعدم مخالفة المعلوم من الدين بالضرورة في حقه كفعل الصحابة الذين شربوا الخمر مستحلين لها تأويلاً باطلاً لقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ المائدة: ٩٣ ]، فلم يكفرهم عمر ﷺ، بل أقام عليهم الحجة ثم جلدهم الحد لما أقرّوا بالحق؛ وكذا من وقع منه الشرك؛ صغيراً غير بالغ، أو مجنوناً غير عاقل، أو نائماً غير مستيقظ، فكل هؤلاء من وقع منه شرك أكبر قد قام به أحد هذه الموانع، وكان عنده أصل الإيمان والإقرار بقلبه ولسانه، وفي قلبه الانقياد للشرع لو علمه أو ذُكِّر به أو نحو ذلك من زوال الموانع، لم يكفر ولم يحبط أصل إيمانه، وكان حكمه كحكم أهل الكبائر المستحقين للعقاب إن قصروا في طلب العلم الواجب عليهم، لكن لم تقم عليهم الحجة التي يكفر منكرها، ولم ينقضوا أصل الشهادة بالإقرار بعبادة غير الله، وهذا فرق مهم جداً بين مشركي العرب ونحوهم ممن حكم القرآن عليهم بالشرك والكفر وكذا السنة والإجماع، وبين من يقع في الشرك من المنتسبين للإسلام - وهذا الفرق خفي على كثير من المتأخرين -، وهو أن مشركي العرب وغيرهم يقرون على أنفسهم بعبادة غير الله والشرك به، وأنهم يتخذون مع الله آلهة يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى، فهؤلاء زال منهم أصل التوحيد حتى لو لم تصلهم الحجة ولم تبلغهم دعوة.
______
(١) رواه مسلم ( ٢٧٤٧ ).