تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 295
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
من فقه الدعوة إلى الله
الأصل والمصدر يجب أن تكون ربانية: بأن ترجع إلى الوحي المنزل من عند الله كتاباً وسنّة، فإن نقاء الأصل يؤثر في نقاء الثمر وصحته وقوته، قال تعالى: ﴿ أَتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ [ الأنعام: ١٠٦ ]، وقال تعالى: ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [ الأعراف: ٣ ]، وقال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [ النساء: ١١٣ ].
وأما الدعوات التي تتخذ من المناهج الكلامية، أو الطرق الفلسفية، أو آراء الرجال، أو تحكمات العقول... مصدراً، فهي لا تستحق أن تكون دعوات ربانية.
وأما الطريق والمنهج والوسائل: فلابد أن تكون ربانية كذلك على منهج الأنبياء، فالغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة بل الوسيلة من عند الله، كما أن الغاية إليه وحده، وسيرة الرسول ﷺ، وسيرة من قبله من الأنبياء فيها البيان لوسائل الدعوة، وطريقها، وما يُقَدَّم، وما يُؤخَّر، وما هي موازنات المصالح والمفاسد؛ حتى لا تختلط الأمور وتلتبس الأحوال.
وأما في الغاية والمقصد: فلا بد أن يكون المقصد وجه الله تعالى، والدار الآخرة لا غير، وذلك من خلال العمل لإعلاء كلمة الله في الأرض، ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [ الكهف: ١١٠ ]، وليس التمكين في الأرض لطائفة الدعاة بغاية مقصودة لهم، بل هي من وسائل الدعوة لتحقيق العبودية لله في أكمل صورها، وهو منَّةٌ من الله ليست بيد الدعاة، ولا من كسبهم، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [ الحج: ٤١ ]، وقد لا يتحقق التمكين، فلا بأس على الدعاة؛ لأن وسائل تحقيق العبودية كثيرة والحمد لله، وإنما المهم أن لا يُقَصِّروا فيما يجب عليهم مما يقدرون عليه، وأما الدعوات التي تجعل غايتها التسلط على رقاب الناس، أو الظفر بهم للانتقام، أو السعي وراء الملك والجاه، والثروة والراحة؛ تخلصاً من المطاردة، والاستضعاف، والفقر، والخوف، فليست بالدعوات الربانية، والمسلم الرباني عبد لله.