تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 296
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
من فقه الدعوة إلى الله
في كل أحواله، وأوقاته فقيراً كان أو غنياً، مُمَكَّناً أو مستضعفاً، مظلوماً في ظلمات السجون أو ملكاً على رؤوس الناس، فندعو الله - سبحانه - أن يرزقنا الإخلاص، والعمل الصالح في كل حين.
وهذه الربانية هي من سمات الدعوة إلى الله، تعطيها من الصفات الأخرى صفة الثبات والاستقرار، فهي لا تتلون بتلون ما حولها، ولا تغير جلدها، ولا رايتها، ولا ولاءها حسب المصلحة كسائر الدعوات الأرضية، وتعطيها كذلك صفة الشمول والاتساع، فليست منحصرة في جانب واحد، بل تأخذ الدين وتقوم به من جميع جوانبه علماً، وعملاً، وسلوكاً، وخلقاً، وتعطيها الربانية كذلك صفة العالمية: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ [ التكوير: ٢٧ ] فليست منحصرة في بلد، أو قبيلة، أو شعب، أو طائفة، بل هي دعوة للإنس والجن إلى يوم القيامة، وكذلك تعطيها الربانية صفة الواقعية، فهي لا تعيش في الخيال، ولا تحارب المعارك في الخيال، بل تبدل الواقع - بإذن الله - إلى ما يوافق الإسلام، ويرضى عنه الرحمن.
ووصف الرسول ﷺ ومن اتبعه بالدعوة إلى الله، يدل على لزومها، ووجوبها، فكل مسلم يدعو إلى الله حسب علمه وقدرته، وإن لم يجد سوى نفسه، فليدعها إلى الله، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ آل عمران: ١٠٤ ]، وقال النبي ﷺ: « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ » (١).
والدعوة إلى الله فرض كفاية، إذا قامت به طائفة من الأمة - حتى يوجد المعروف الواجب ويزول المنكر المحرم - سقط الحرج عن الباقين، وإلا أَيِمَ كل قادر بحسب تقصيره، سواء أكان قادراً بنفسه أم بالتعاون مع غيره، فيقصر في هذا التعاون، أم قادرًا
______
(١) رواه مسلم ( ٤٩ )، والترمذي ( ٢١٧٤ )، والنسائي ( ١١٧٣٩ ) الكبرى.