تأملات إيمانية في سورة يوسف
الشيخ ياسر برهامي • التزكية والرقائق • ص 297
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
على أن يأمر القادرين وينصحهم بأن يدعو إلى الله فيقصر في ذلك.
ولابد حين نتكلم عن وجوب الدعوة إلى الله أن نعلم أن مشاركة الجميع في الدعوة ليس لحاجة الدعوة إليهم، بل لأنهم هم الذين في حاجة إلى الدعوة إلى الله، ودين الله ماض بهم أو بغيرهم، وهم لا يمضون إلا بدين الله، وإذا كان الله قال لخير الناس بعد الأنبياء صحابة رسول الله ﷺ: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [محمد: ٣٨]، فكيف يظن أحد أن الدعوة لا تمضي إلا به؟ ولهذا فلا يمن أحد من الدعاة على الدعوة، ولا على إخوانه فيها ولا على الناس بل المنة لله وحده.
وقوله تعالى: ﴿ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾ فهذا من أهم أسس الدعوة إلى الله، لأن الدعوة بالجهل تضر أكثر مما تنفع، والبصيرة للقلب كالبصر بالنسبة للعين، وبالبصيرة يفرق المؤمن بين الحق والباطل، والسنة والبدعة، والمصلحة والمفسدة، ومقام الدعوة: مقام خطر تزل فيه الأقدام، ويضل فيه أقوام، والانحراف فيه يمتد خطره أجيالاً، ويتحمل صاحبه أوزاراً؛ ولذا كان تحصيل البصيرة من الفرائض على كل أحد، وعلى الدعاة إلى الله خصوصاً، لأن قرارهم في كثير من الأحيان يتوقف عليه مصير أمتهم.
ولنذكر نبذة عن أسباب تحصيل البصيرة:
منها - بل هو أصلها -: صدق الإيمان بالله ورسوله ﷺ: قال تعالى: ﴿ أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظَّلُمَاتِ ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وهذا مثل المؤمن والكافر، فنور الإيمان يميز الإنسان به بين الحق والباطل.
ومنها: العلم النافع بما جاء به الرسول ﷺ: قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوَى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: ٩]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُا ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقال النبي ﷺ: « طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ » (١)، ولذا كان من
______
(١) صحيح: رواه ابن ماجة (٢٢٤)، والطبراني (١ / ١٦) الصغير، (٩) والأوسط، وصححه الألباني في صحيح الجامع (۳۹۱۳).